مباشر من فرانس 24
Cours Video
Annonces
» المتواجدون في الموقع 1
» زوار اليوم 226

دروس الفلسفة باك مجزوءة المعرفة النظرية ، الحقيقة ، العلوم الإنسانية

    مجزوءة المعرفة    

                         تقديم 

الدلالات

في اللغة العربية:

المعرفة في اللغة العربية مشتقة من عرف، العرفان : العلم ، أي علم الشيء. والعَريف والعارِفُ بمعنًى مثل عَلِيم وعالم؛ وعرَّفه الأَمرَ: أَعلمه إياه.    التعريف بالشيء: الإعلام به،. العراف : المنجم الذي يدعي علم الغيب اي ان المعرفة مرتبطة أساسا بالعلم . والعِلْمُ نقيضُ الجهل، عَلِم عِلْماً وعَلُمَ هو نَفْسُه، والعِلْم قد يكون الوصف به بعدَ المُزاوَلة له وطُولِ المُلابسةِ ،عَلِمْتُ الشيء بمعنى عَرَفْته وخَبَرْته  أ اي ان العلم مرتبط بالمزاولة والخبرة أي بالممارسة والتجربة .

في الدلالة الفرنسية

يعرف : بمعنى يملك الكفاءة لإصدار حكم صائب. يملك فكرة صائبة يعلم بطريقة دقيقة وصحيحة.

المعرفة مجموعة من الأشياء المعلومة ومن المعارف والمدركات ، وطريقة في رؤية الأشياء وفهمها وإدراكها.

والمعرفة هي بناء يتم وفق جدلية الذات والموضوع، وتحتمل الخطأ والصواب، التقدم والتراجع ، الحركة والجمود.

واهي بناء منهجي يعتمد على القدرات العقلية للذات  وعلى مجموعة من المهارات،

فالإنسان كائن يتميز بالفضول والرغبة في المعرفة ، فلقد كان دائما يبحث عن المعرفة وإغناء ذاته وتجاربه .هكذا نجد الإنسان منذ بدايته يحاول التعرف على محيطه ،وإدراك وفهم ما يجري حوله وتفسيره . هكذا انتج في البداية الأساطير.

ولقد كان اهتمام الإنسان بالطبيعة ومعرفتها يهدف الى اتقاء شرها نظرا للكوارث الطبيعية التي كان يتعرض لها ،فالانسجام مع الطبيعة كان هدفه الأسمى .ولكن مع تطور القدرات العقلية للإنسان ، واكتشافه للقوانين الطبيعية تحولت رغبته في الإنسجام مع الطبيعة الى رغبة في السيطرة عليها. وهذه المعرفة لقوانين الطبيعة لم تكن ممكنة لولا تطور الفكر العلمي وظهور النظريات العلمية  التي تقوم على المنهج التجريبي . هكذا بدا الإنسان ينتج معارف يقينية، وموضوعية ، وبدأ الحديث عن حقائق مطلقة،

  هذا النجاح الباهر الذي حققه  في معرفة الطبيعة وانتاج حقائق ومعارف يقينية ، دفعه الى التفكير في انتاج معرفة علمية عن ذاته ،وبلوغ حقيقة تتجاوز الذاتية وترتكز على الموضوعية.وهذا ما جعل مجزوء ة المعرفة تقوم على مجموعة من المفاهيم  التقابلات والإشكاليات:

 العلوم الطبيعية وعلاقة النظرية بالتجربة

النظرية تشير الى ما هو  عقلي ومجرد ، والتجربة تشير الى الممارسة وما  هو واقعي والملموس

وهذا ما يجعل العلاقة بينهما تقوم على التوتر والصراع مما يطرح مجموعة من الإشكالات:  ما العلاقة بين النظرية والتجربة هل هي علاقة صراع وإقصاء ام تكامل وتفاعل؟ هل يمكن الحديث عن نظرية علمية في غياب التجربة او العكس عن تجربة في غياب النظرية؟ اليس العقل والنظرية هو الذي يحدد التجربة العلمية؟ واليس التجربة هي التي تمنح للنظرية قيمتها العلمية وتؤكدها؟ الا تقوم التجربة على اساس نظري وعقلي ؟واليس التجربة هي التي تحول الفرضية الى نظرية علمية؟

العلوم الإنسانية:

العلم/ المعرفة    ، علوم طبيعية / علوم انسانية ،

الذات /الموضوع ،       الفهم /التفسير

هل يمكن قيام علوم انسانية على غرار العلوم الطبيعية ؟ وبالتالي ظهور علوم موضوعية وحقيقية عن الإنسان ، تتيح تفسير سلوكات الإنسان والتنبؤ بها؟ ام ان العلوم ألإنسانية تقوم على خصوصية ويغلب عليها الطابع الذاتي ، لأن الذات الإنسانية تتصف بالحرية وتملك كرامة تجعلها غير قابلة للدراسة والتجريب  العلمي؟ وهل يمكن إعطاء تفسيرا موضوعيا عن الإنسان، ام انه يجب فهمه؟

الحقيقة:

الحقيقة/ الخطأ ، الكذب، الوهم

حقيقة مطلقة / حقيقة نسبية ، حقيقة واحدة ام حقائق متعددة،

ما الحقيقة وما علاقتها بالرأي  وما الذي يمنح للحقيقة قيمتها هل مطابقتها للواقع أم لمباديء العقل، ام ان معيار الحقيقة يكمن في ذاتها؟ وما هي قيمة الحقيقة هل ترتبط بما هو  نفعي ونسبيي وبالأوهام ؟ أم أنها انها مرتبطة بما هو مطلق وواجب كوني؟ وهل هناك حقيقة واحدة ام حقائق متعددة؟

 

                                     المفهوم الأول  النظرية والتجربة    من إنجاز الاستاذ يج  عمر

 

              النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

(يهدف هذا الموضوع إلى مقاربة مفهوم النظرية والتجريب مقاربة تزاوج بين انجاز  الجانب المعرفي بإيصال المعارف اللازمة إلى التلميذ وبين تطوير مهارة التعبير والكتابة الفلسفية  من  خلال نموذج السؤال المفتوح( وهذا مايتيح  ،على الأقل جزئيا، تجاوز عائق الزمن الناتج عن عدم ملاءمة الحصص الزمنية المبرمجة مع طول المقرر ضمن حصة تطبيقية (تم فيها تقديم توجيهات وتصميم أولي  للموضوع المقترح للتلاميذ) وذلك على الشكل التالي :

ينطلق السؤال المفتوح من نص كلود برنار ويقوم بدمج المحور الأول والثاني من المفهوم في تصميم الموضوع:

إلى أي حد يمكن اعتبار التجريب العلمي إنصات للطبيعة وتصوير فوتوغرافي للواقع؟

مراحل الكتابة الإنشائية

1-     التقديم المقدمة او التنأطير : التأطير الموضوعي : المطلوب تحديد  المجزوءة( هنا المعرفة) والمفهوم ( النظرية والتجربة) والإشكالي للسؤال  اي طرح الإشكال العام ( التساؤل عن علاقة النظرية بالتجربية ، هل هي علاقة انفصال او اتصال مثلا ام انها علاقة ترابط وتكامل وثيق او هل الأسبقية للتجربة ام للنظرية .....)

2-    العرض:

-        التحليل:

تحليل مفاهيم  السؤال واعادة الصياغة الإشكالية

 استخلاص الأطروحة المتضمنة في  السؤال واستحضار فيلسوف قال بهده الأطروحة و ابرازالبناء الحجاجي  الذي أقام عليه أطروحته

( توظيف أطروحة كلود برنار : المنهج التجريبي يجمع بين الملاحظة  الأمينة والدقيقة للواقع والتي تتولد عنها الفكرة  ( النظرية) والتجربة التي تختبر الفكرة وذلك وفق خطوات منهجية مضبوطة.  والبراز الحجج التي قامت عليها هذه الأطروحة)

       _  المناقشة:  

مناقشة الأطروحة المتضمنة في السؤال والمعروضة في التحليل ( مناقشة افكار الفيلسوف وتوظيف اطروحات مؤيدة او معارضة  في هذه المناقشة لإبراز قيمتها ....)

مناقشة كلود برنار من خلال أطروحتين:

 روني طوم :ضرورة الجمع بين الملاحظة والخيال العقلي من اجل إغناء النظرية العلمية وتعويض نقص وعجز الملاحظة المباشرة.

واينشتاين:النظريات العلمية هي أساسا إبداعات عقلية حرة، للعقل الرياضي، تسمح بفهم الظواهر الطبيعية دونما حاجة للملاحظة العينية وعلى التجربة أن تطابق وتؤكد القضايا الناتجة عن النظرية.

-        التركيب:

الخاتمة تكون على شكل خلاصة منطقية للمناقشة اي الموضوع بأسره  حيث يظهر الجواب عن النص بشكل واضح ، وقد تكون بتحديد موقف او القيام بتركيب او تجاوز وطرح افاق أخرى...

التركيب توظيف تصور باشلار: النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل ، والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق"، فالقانون التجريبي لا يتأكد إلا من خلال الاستدلال والاستدلال نفسه لا تتأكد مشروعيته إلا عندما يصبح أساسا للتجربة"

 

 تم تقديم هذا التصميم للتلاميذ بالإشارة فقط إلى أصحاب الأطروحات دون ذكر الأطروحة وطلب منهم استخلاص الأطروحات والقيام بكتابة إنشائية متكاملة حيث تم تصحيح كل مرحلة على حدة من خلال قراءة مجموعة من التلاميذ لكتاباتهم وتوجيه ملاحظات منهجية وتصحيح الأخطاء...)

-       شرح وتحليل السؤال:

إلى أي حد :إبراز حدود ومدى صحة الأطروحة( مناقشتها)

التجريب:هو المنهج الذي اتخذته العلوم الحقة أو العلوم التجريبية ، ويتمثل في الخطوات التالية:

1_ ملاحظة الظواهر أو الحوادث الطبيعية قصد إعادة إنشائها علميا  وذلك باستخدام كل الأدوات والأجهزة العلمية التي تتيح ملاحظة علمية دقيقة وأكثر شمولية مع عزل الظاهرة أو الحادثة باستعمال أدوات القياس( ويشترط كلود برنار أن تكون بدون أفكار مسبقة وأمينة تسجل فقط ما هو موجود في الواقع.) .

2 - الفرضية: وهي فكرة مؤقتة واقتراح لتفسير الظاهرة أو الحادثة الملاحظة، وفكرة  عقلية نابعة من الملاحظة ويمكن القول أنها بداية الاستدلال ومن وحي الواقع، ويجب أن تكون قابلة للاختبار والتحقق التجريبي.

3- التجربة : تتمثل في إعادة وإنشاء الظاهرة في المختبر للتحقق من صحة أو عدم صحة الفرضية وتتطلب تغيير شروط التجربة وتنويعها وتكرارها حتى يتم إثبات الفرضية.

4- القانون : ويمثل صياغة عقلية وتفسير نظري للظاهرة الطبيعية الذي أثبتت التجربة صحة الفرضية المرتبطة بها ويقوم بتحديد العلاقة بين ظاهرتين أو أكثر ويتميز بخاصية الشمولية والتعميم ويتيح التنبؤ ويصاغ في مجمله صياغة رمزية رياضية.

الإنصات: الاستماع والتلقي- يشير إلى الانفعال والسلبية وليس الفعل-.

التصوير الفوتوغرافي: تسجيل ونقل أمين وصورة طبق الأصل دون زيادة أو نقصان.

الواقع: الطبيعة ،الملموس، المرئي، المتحقق في الخارج....( ويجب التمييز بين التجربة والتجريب فالأولى تكون عامة وترتبط أكثر بالممارسة اليومية العادية التي لا تؤدي إلى معرفة دقيقة  والتجريب الذي يرتبط بالممارسة المنهجية والمنظمة التي يقوم بها العالم كما أن التجربة ليست إلا مرحلة في التجريب العلمي)

-        تاطير السؤال: مجزوءة المعرفة ، مفهوم النظرية والتجربة.

إعادة الصياغة والتأطير الإشكالي: العقل في التجريب العلمي يقوم بالتسجيل الأمين والدقيق لما يجري في الواقع من خلال الملاحظة العلمية التي يجب أن تقدم صورة طبق الأصل للواقع دون تدخل أفكار مسبقة أو نظرية، وان النظرية أو العقل لا يتدخل إلا لمحاولة تفسير ما تمت ملاحظته في الواقع مما يعني أن العقل أو النظرية ليس لها إلا دورا ثانويا فهي نابعة من الملاحظة التي تحتل الصدارة وتؤدي إلى بروز الفكرة. فهل التجريب العلمي يقوم على الملاحظة الأمينة للواقع دون أي تدخل للنظرية أو العقل؟ وهل الملاحظة والتجربة هي التي تحتل الصدارة في التجريب العلمي وان النظرية ليست إلا نتاجا للملاحظة الأمينة للواقع؟ وهل العقل مجرد تابع للملاحظة(صفحة بيضاء) والنظرية ليست إلا نتاجا لها؟ ألا يمكن أن نتحدث عن دور اكبر من ذلك للنظرية العقلية أو ربما احتلالها الصدارة وأسبقيتها على الملاحظة؟أم أن العلاقة بين النظرية والملاحظة والتجربة هي علاقة جدلية كلاهما ينتج الأخر ويطوره؟

 ( إن الهدف المزدوج من هذا الدرس من الصعوبة بمكان فهذه الورقة وإن حافظت نسبيا على مراحل الكتابة الإنشائية- خاصة في العمل داخل القسم- إلا أن محاولة جعل هذه الأوراق كدعامة للدرس جعل من الضروري التركيز أيضا على توصيل المعرفة بشكل قد يتجاوز توظيفها في إطار سؤال خاص ومحدد، وهذا ما جعل هذه الأوراق تبدو على الشكل الذي هي عليه)

                                                           المحور الأول: التجربة والتجريب:

ألأطروحة المتضمنة في السؤال هي أطروحة كلود برنار والتي تقول بان العالم يجب أن يجمع بين الملاحظة الأمينة التي تتولد عنها الفكرة القابلة للاختبار، والتجربة التي تفحص (الفرضية) أو الفكرة وتخضعها للتجريب للتأكد من صحتها،وذلك وفق خطوات منهجية ضرورية تشكل منهج التجريب العلمي.

البناء الحجاجي للأطروحة:

المنهج العلمي أو التجريب العلمي يقوم على خطوتين أساسيتين وضروريتين هما الملاحظة العلمية التي تنشا عنها الفكرة أو الفرضية التفسيرية للظاهرة الملاحظة ثم التجربة التي يقوم العالم من خلالها بالتأكد من مدى مطابقة فرضيته للواقع،باعتبارها وقائع صحيحة ومنتظمة( تؤدي إلى قانون يفسر الظاهرة ويتيح التنبؤ). وهذا يعني أن العالم يكون في نفس الوقت ملاحظا ومجربا.

والملاحظة التي يقوم بها العالم يجب أن تكون دقيقة مما يفرض عليه استخدام كل الأدوات التي تتيح ملاحظة شمولية للظاهرة المدروسة. ويشترط فيها أن تكون ملاحظة أمينة للواقع لا يسمح فيها للعالم بالتدخل أي عليه مواجهة الواقع دون أفكار مسبقة( دون أي نظرية سابقة على الملاحظة)إذ عليه الإنصات لإملاءات الطبيعة والتصوير الفوتوغرافي لها. أما الفكرة أو الفرضية( النظرية) فهي من إيحاء الملاحظة وناتجة عنها أي أن العقل يتدخل هنا فقط للتفسير والقيام بالاستدلال الذي يوحي به الواقع. وهذه الفكرة أو الفرضية يجب أن تكون قابلة للاختبار ،وعلى العالم أن يخضعها للتجربة للتأكد من صحتها أو استبدالها بفرضية أخرىأكثر ملائمة للواقع، وهذه التجربة يجب أن تكرر في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير حتى يتم الوثوق فيها( ومع ذلك لا يمكن اعتبارها حقيقة نهائية ومطلقة). هكذا يمكن القول –حسب كلود برنار – أن المنهج العلمي يتمثل في أربع خطوات هي:

1-    الملاحظة الدقيقة والأمينة للواقع.

2-    الفرضية  التفسيرية  الناتجة عن المعاينة للواقع.

3-    التجربة التي خطط لها العالم فكريا والتي يتم انجازها في المختبر بطريقة متكررة في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير.

4-     ملاحظة الظواهر الجديدة التي تنتج عن ذلك والتي يجب تقديم فرضيات جديدة وهكذا دواليك.

     هكذا يجعل كلود برنار من الملاحظة بداية المنهج العلمي ونهايته.

    إن هذا التصور- الذي يقوم على النزعة الاستقرائية - وإن يشير إلى ضرورة الجمع بين النظرية والتجربة إلا انه يركز على كون النظرية ليست إلا نتاجا للملاحظة ، وليست سابقة عنها ،فالعالم يجب عليه مواجهة الواقع دون أفكار سابقة ، ومهمة النظرية أو الاستدلال العقلي هنا فقط تقديم تفسير للوقائع الملاحظة ، مما يجعل العقل فقط يسجل ويستجيب لإملاءات الطبيعة وهذا هو التصور التجريبي الكلاسيكي ( المذهب التجريبي الكلاسيكي يعتبر العقل صفحة بيضاء تملؤها أو تكتب عليها معطيات التجربة).

-       المناقشة:

ولكن ألا يعني الفول بان العالم ينصت إلى الطبيعة  ويلتزم الصمت و يقوم بالنقل الأمين والتصوير الفوتوغرافي للطبيعة تهميشا لدور العقل وللنظرية؟وبالتالي فالعقل ليس  إلا  متلق يسجل إملاءات الطبيعة؟ وهل هذا التصور ينطبق فعلا على المنهج التجريبي؟ أليس للعقل وللنظرية دورا أكبر مما ينسبه إليه كلود برنار؟

كانط : العقل يحتل الصدارة في المنهج العلمي: 

يبدو تصور برنار لدور النظرية والعقل في المنهج التجريبي ، تصورا كلاسيكيا (هذا التصور أصبح اليوم متجاوزا ). فكانط( الذي عاش قبل كلود برنار ببضع سنوات) مثلا لا يتفق مع هذا التصور ، لأن العقل في عملية المعرفة العلمية ليس منفعلا ولا متلقيا بطريقة سلبية كما وصفه برنار بل على العكس من ذلك فهو الذي يحتل الصدارة في عملية المعرفة العلمية وهذا ما يتبين من خلال قولة كانط في إطار حديثه عن العلماء ، حيث يقول أن العلماء: " فهموا أن العقل لا يرى إلا ما ينتجه هو وفق خططه الخاصة ، وان عليه أن يتقدم بالمبادئ التي تحدد أحكامه وفق قوانين ثابتة. وان عليه أيضا أن يرغم الطبيعة على الجواب عن أسئلته، وان لا يترك نفسه ينقاد بحبال الطبيعة وحدها…" فالعقل هنا ليس متلق ( كما قال برنار)  ولا ينصت كما ينصت التلميذ إلى المعلم بل يستجوب الطبيعة كما يستجوب القاضي الشهود…

الخيال والتجريب : روني طوم : 

ويقدم روني طوم تصورا معاصرا يتجاوز التصور الذي قدمه برنار( وكذلك كانط)  هذا التصور المعاصر للمنهج التجريبي يعطي أهمية متعاظمة للنظرية وللعقل هكذا يتحدث طوم عن التجربة العقلية الخيالية التي تكمل ماهو واقعي منتقدا بذلك التصور الكلاسيكي الذي لم يعد يعكس واقع التجربة العلمية التي لابد فيها من إكمال الواقعي بالخيالي ، هذه العملية الذهنية التي لايمكن لأي آلة تعويضها .

فالواقعة التجريبية في تصور روني طوم لكي تكون علمية لابد  أن يتضافر فيها شرطين أساسيين هما قابلية التجربة العلمية للتكرار وإعادة صنعها في  أزمنة وأمكنة مختلفة ، وان تستجيب لتطبيقات عملية تلبي حاجات إنسانية من جهة واهتمامات نظرية أي دخولها ضمن إشكالية علمية قائمة من جهة  أخرى. فالهدف من التجريب العلمي هو التحقق من الفرضية التي هي نظرية تتضمن إلى جانب ماهو واقعي ماهو خيالي ( على سبيل المثال إضافة مفهوم السببية كما أن هذا التصور يستمد شرعيته من الفيزياء المعاصرة الكوانتية والتي تعالج العالم الميكروسكوبي الذي لا يمكن ملاحظته بشكل مباشربل فقط من خلال بعض الآثار الناتجة عن حركات مكونات الذرة مما يستوجب تدخل التجربة الخيالية التي يلعب فيها العقل دورا كبيرا) وهذا ما يتيح ملأ الفراغ والنقص الناتج عن عجز الملاحظة وبالتالي اكتمال البناء النظري وإضفاء طابعا شموليا عليه ، ويمكن العقل من استباق تفاعلات الواقع والتعبير عنها بشكل رياضي، لهذا يرى روني طوم أن هذه القفزة الخيالية لايمكن لأي آلة أن تعوض فيها العقل. من هنا تبرز الأهمية الكبرى للعقل وللخيال إذ يشكلان عملية لايمكن الاستغناء عنها رغم انفلاتها من كل رتابة وعن كل منهج.

هكذا يتبين لنا أن دور العقل والنظرية في المنهج العلمي اكبر بكثير مما تصوره المنهج الكلاسيكي كما عبر عنه كلود برنار ، إذ انتقل من دور المتلقي والمنفعل إلى دور الفاعل والمبدع وهذا الدور الإبداعي هو ما سيوضحه بشكل أكبر أينشتاين.

                                        المحور الثاني: العقلانية العلمية 

1- العقلانية المبدعة :ألبرت انشتاين

يتجاوز تصور اينشتاين للمنهج العلمي التجريبي التصورات السابقة إذ يعطي للنظرية والعقل الرياضي أهمية قصوى هذا العقل الذي بإمكانه تصور دينامية الظواهر الطبيعية دونما حاجة للمعاينة والتجربة المباشرة عليها هكذا يؤكد في أطروحته أن المفاهيم والبناء النظري للعلم خاصة في الفيزياء النظرية هي أساسا إبداعات عقلية حرة للعقل الرياضي ، وان هذه البناءات الرياضية الخالصة تسمح بفهم الظواهر الطبيعية دونما حاجة للملاحظة العينية.

  وبذلك تحتل البناءات النظرية العقلية الصدارة في الفيزياء المعاصرة ، حيث تتشكل الأنساق الكاملة للفيزياء النظرية من أفكار وقوانين أساسية تربط بين تلك الأفكار والقضايا التي تستنتج منها بواسطة الاستنباط المنطقي ، وتلك النتائج هي التي يجب أن ترتبط بالتجارب الفردية والخاصة.)يري اينشتاين أن

المفاهيم العلمية إبداعات حرة للفكر البشري، يحاول بواسطتها أن يكون لنفسه صورة اقرب ما تكون من حقيقة هذا الواقع نفسه، هذه الحقيقة التي يقترب منها العلم دون أن يتمكن من الإمساك بها كما هي. مثل الرجل الذي يحاول أن يفهم آلية اشتغال ساعته دون أن يملك القدرة على فتحها حيث يستطيع تخيل وتكوين صورة عن تركيبها الداخلي ولكنه لن يكون على يقين بان الصورة التي كونها تطابق حقيقة الجهاز. فليس العلم ادن مجموعة من القوانين ولا قائمة من الأحداث الغير المترابطة ببعضها البعض ،انه ابتكار للفكر البشري شيده بواسطة أفكار ومفاهيم ابتدعها العقل الرياضي بكل حرية فالنظريات الفيزيائية تحاول صياغة صورة عن الواقع وربط هذه الصورة بعالم الانطباعات الحسية (التجريبي)

فالعقل هو الذي يعطي للنسق الفيزيائي بنيته أما التجربة فعليها أن تطابق القضايا الناتجة عن النظرية.  فالنسق الفيزيائي الذي هو إبداع عقلي حر يستمد قيمته من إمكانية التطابق بين المعطيات التجريبية والقضايا الناتجة عن النظرية أو النسق النظري..

وبذلك ينتهي اينشتاين إلى القول [انه متيقن تماما أن البناء الرياضي يمكننا من اكتشاف القوانين التي تسمح بفهم الظواهر الطبيعية ، وان التجربة يمكن أن تلعب دور الموجه في اختيار المفاهيم الرياضية التي يمكن توظيفها ، وبالتالي فالمبدأ الخلاق والفعال لا يوجد في التجربة ولكن في العقل الرياضي . وهذا التصور الذي يقدمه اينشتاين يستمد مشروعيته في كون كثيرا من الوقائع الطبيعية التي يعالجها العلم غير قابلة للملاحظة والتجربة المباشرة كما يلاحظ في الفيزياء الكوانتية ( العالم الميكروسكوبي الذرات وجزيئاتها مثلا) وكذلك في العالم الماكروسكوبي (الظواهر الكونية البعيدة في علم الفلك   مثلا ).

الخاتمة والتركبب

2\  العقلانية التطبيقيةاو حوار العقل والتجربة : باشلار

يتبن لنا من خلال المناقشة السابقة أن التصورات التي ناقشت النظريات والمنهاج التجريبي العلمي هو انعكاس وتطوير للنقاش الفلسفي الكلاسيكي بين المذهب التجريبي الذي كان يرى أن العقل صفحة بيضاء تملؤها معطيات التجربة مما يجعل من التجربة المصدر الوحيد للمعرفة وبين المذهب العقلاني الذي كان يرى أن العقل حائز على مبادئ فطرية أو قبلية تمكنه من بلوغ جميع المعرف دونما حاجة إلى التجربة هذين المذهبين الذين انتقدهما كانط مبينا قصورهما في انفصالهما وتطرفهما ، ومبينا ضرورة الجمع بينهما، فالعقل وحده بمبادئه القبلية سيدور في فراغ ولن ينتج معارف يقينية بل قد ينتج نقائض أما التجربة وحدها فلن تقدم إلا معطيات مبعثرة لا ناظم ولا معنى لها من هنا ضرورة الجمع بين العقل والتجربة ( مع إعطاء الصدارة للعقل كما تبين لنا من خلال المناقشة السابقة).

هذا الصراع الذي انتقل من مجال الفلسفة إلى العلم هو ما يحاول باشلار حله من خلال تصوره للعقلانية التطبيقية( أو العقلانية العلمية ،أو الفلسفة المفتوحة.)

يرى باشلار أن الحركة المزدوجة  التي تغدي الفكر العلمي تتراوح بين ما هو قبلي (عقلاني) و ماهو بعدي(التجريبي). حيث ترتبط النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية وتعزز كل منهما الأخرى وتبررها "النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل ،والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق.فبدون قوانين واضحة واستنتاجيه ، مترابطة ومنسجمة ، لا يمكن أن تكون النزعة التجريبية موضوعا للتفكير ولا مادة للتعليم ، وبدون براهين ملموسة ، وبدون التطبيق على الواقع المباشر لايمكن للنزعة العقلانية أن تتوفر على قوة للإقناع التام ، فالقانون التجريبي لا تتأكد قيمته إلا من خلال الاستدلال ، والاستدلال نفسه لاتتاكد مشروعيته إلا عندما يصبح أساسا للتجربة."

فالعلم إذن يقوم على الحوار بين البراهين النظرية (العقل) وبين التجريب والقوانين التجريبية(التجريب) ولا يجب النظر إليهما على أساس أنهما يكونان ثنائية أو قطبين منفصلين بل على أساس كونهما يتكاملان  أي يكمل منها الآخر ويسير به إلى منتهاه .

فان يفكر الإنسان تفكيرا علميا معناه أن يضع نفسه في الحقل الابستمولوجي الذي يقوم كوسيط بين النظرية والتطبيق بين الرياضيات والتجربة .

من هنا يستخلص باشلار أن العلوم الفيزيائية لا يمكن أن تتأسس كعلم إلا من خلال الحوار الجدلي بين العقل والتجربة فالواقع لابد أن يخضع للعقل ،والحجج العقلية لابد ا أن تكون من صميم لحظات التجربة." لا توجد عقلانية فارغة كما لا توجد اختبارية عمياء"وهذا يعني أن العقل العارف مشروط بموضوع معرفته.

(إلا أن باشلار يرى ضرورة تفضيل احد هذين القطبين على الآخر لأن الحركة الابستمولوجية للعلم هي ذات طابع عقلاني من هنا الاسم الذي أطلقه عليها عقلانية تطبيقية أو مطبقة ، فالعلم المعاصر  هو بناء عقلاني، يبعد من الأدوات التي يشيد بها صرحه كل صبغة لاعقلانية ويجنب الظاهرة المشيدة كل انحراف لا عقلي ،إلا أن هذه العقلانية ترى ضرورة التطبيق لأنها تعمل من خلال التطبيق على تجاوز مبادئها تجاوزا دياليكتيكيا وهذا ما يجعلها فلسفة مفتوحة ).

نستخلص من هذا التصور أن العقل والتجربة (القبلي والبعدي) متكاملان ويوجدان في حوار دائم(في علاقة جدلية) فالعقل يدرك التجارب من خلال ما لديه من مقولات وهذه المقولات ليست ثابتة ونهائية لأنها تتأثر وتتطور بفعل التجربة.

                                           المحور الثالث : معايير النظريات العلمية .

من خلال المناقشة السابقة حول اختلاف الآراء حول طبيعة المنهج التجريبي خاصة بين التصور الكلاسيكي والمعاصر ودور العقل والنظريات فيه، يبرز إشكال معيار علمية نظرية من النظريات وما الذي يمنحها صلاحية النظريات العلمية؟

معيار تعدد الاختبارات  بيير تويليي:

إذا كانت النظرية الفيزيائية كما حددها بيير دوهيم في قوله :"إن النظرية الفيزيائية ليست إلا نسقا من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ غايتها أن تمثل ـ بصورة صحيحة ـ مجموعة من القوانين التجريبية" فان هذا يعني أن  ما يضفي على نظرية ما  طابعها العلمي هو التماسك  والانسجام المنطقي بين مكوناتها والذي تستمده من إخضاع فروضها لاختبارات متعددة تربط فروض نظرية ما بفروض أخرى ،مما يجعل من تعدد الاختبارات إغناء للنظرية العلمية.

وينتقد بيير تويليي التصور الكلاسيكي القائل أن علمية نظرية ما تكمن في استنباط نتائج قابلة للتحقق التجريبي ، واصفا إياه بتصور اختزالي لا يكشف عن حقيقة النظرية العلمية،لأنه من اجل التحقق التجريبي لهذه النظرية لابد من إضافة فروض جديدة تتجاوز هذه النظري  ولا تنتمي إلى المسلمات الأصلية  التي انطلقت منها تلك النظرية( وهذا ما يضعها في مجازفة خطيرة) إلا أنها يجب أن تكون منسجمة معها وهذه الفروض هي التي تغني هذه النظرية وتنقدها من عزلنها التجريبية.

من هنا يمكن القول أنه:

1-    لا وجود لنظرية تمنح لنفسها وحدها نتائج تجريبية ملموسة.

2-    لا تتم أي تجربة علمية بدون مساعدة تجربة أخرى.

وبالتالي فان ما يمنح للنظريات العلمية قيمة متزايدة هو تنوع وتعدد الاختبارات التجريبية والمقارنة بينها ، إلا أن اختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة ،أو بين نظريات متعددة هو الذي يحتل الصدارة في التكوين الفعلي للنظريات العلمية.

2- معيار القابلية للتكذيب والتزييف:

أما كارل بوبر فيرى أن معيار علمية  نظرية ما هو قابلية منطوقها للتفنيد والتكذيب، أي قدرة العالم على وضع صياغة دقيقة للنظرية العلمية وتحديد الشروط والنتائج المحتملة التي يمكن أن تفند تلك النظرية وتكذبها . وبالتالي فإذا كان منطوق هذه النظرية غير قابل للتكذيب فلا يمكن اعتبارها نظرية علمية – حتى وان لم تكن كاذبة أو فارغة من المعنى بل وحتى لو كانت صحيحة - فعدم قابليتها للتكذيب   يجعلها خارج المجال العلمي.

هكذا يشكل معيار القابلية للتكذيب أو القابلية للاختبار أساس النظريات العلمية لتبين خطئها وإبراز العيب فيها وكل نظرية غير قابلة لمثل هذا الاختبار ليس علمية.

وآنذاك يمكن القول أن هذه النظرية – القابلة للتكذيب والاختبار – نظرية علمية ملائمة ، ولا يمكن الجزم بكونها صادقة بشكل مطلق ، ما دمنا لم نجد ما يكذبها  رغم تعدد الاختبارات وتنوعها وبالتالي عدم أيجاد ما يكذبها أو يفندها.

                                                                 الأستاذ يجَ عمر

                                      

                                           مفهوم العلوم الإنسانية  انجاز يج عمر

التأطير الإشكالي للمفهوم:

إشتهر الإنسان مند بداياته الأولى بفضوله ، ومحاولة التعرف على كل ما يحيط به من اشياء ، فمعرفة  خصائص الأشياء كانت  سبيله لتوظيف هذه الأشياء لتحقيق حاجياته ورغباته ، ولإرضاء رغبته في التحكم في الطبيعة ، هذه الرغبة التي ستظهر بشكل جلي مع تطور معرفته، ففي البداية كان  هدف الإنسان الإنسجام مع الطبيعة والعمل على استرضائها واتقاء شرها ولكن  مع اكتشافه للقوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية أعلن رغبته في السيطرة على الطبيعة وإخضاعها لرغبته ، ولكن فضوله لم يتوقف عند هذا الحد فمعرفته المتزايدة بالطبيعة والعالم الخارجي ، دفعته الى التفكير في معرفة  الإنسان ذاته ، وإخضاعه للدراسة العلمية مثلما اخضع الظواهر الطبيعية لهذه الدراسة .

 ولقد إكتشف الإنسان أن معرفته لم تتطور إلا لما أخضعها لمنهج دقيق يقوم على خطوات محددة ، وعلى مناهج تعتمد التجربة والحسابات الرياضية الدقيقة لادخل فيها لأرائه الشخصية ورغباته أي لذاتيته اي ان المعرفة العلمية هي تلك المعرفة التي تقتضي خروج الإنسان من ذاته  في اتجاه الموضوعات التي يدرسها . ولكن كيف يمكنه الخروج من ذاته إذا كان بالضبط يريد دراسة ذاته. عن هذه العلاقة المتوترة بين الذات والموضوع هو ما أكتشفه الإنسان عندما حاول إنشاء علوم إنسانية . فإذا كان النجاح الباهر الذي حققه الإنسان في العلوم الطبيعية نابع من قدرته على التجرد من ذاتيته ودراسة هذه العلوم بموضوعية بوصفها اشياء خارجية ، فكيف يمكنه ان يدرس سلوكاته وأفكاره، وقيمه ومعتقداته  وغيرها ويصدر حولها أحكاما موضوعية ويتجرد من كل ذاتية ومن تاثير تلك القيم التي تشبع بها منذ نشاته؟

من هنا وجد الإنسان نفسه امام إشكال قيام علوم إنسانية: فهل بإمكان المناهج التي إختبرها في العلوم الطبيعية ان تسعفه في دراسة ذاته ومجتمعه؟ وهل بإمكانه ان يخضع نفسه ومجتمعة لتلك المناهج التجريبية التي اخضع لها الظواهر والكائنات الطبيعية الأخرى؟  وهل تسمح له كرامته بذلك؟وهل يمكن ان يخرج من ذاته ويدرسها كما يدرس ظواهر خارجية عنه؟ هل يمكنه ان يقدم تفسيرا موضوعبا لكل تصرفاته وقيمه التي يؤمن بها ايمان عميقا؟ ام انه يجب ان يجد منهجا جديدا يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ويحفظ للإنسان كرامته ؟ وفي هذه الحالة هل ستكون هذه المناهج فعالة  مثل مناهج العلوم الطبيعية؟

                                            المحور الأول موضعة الظاهرة الإنسانية:

1-     عوائق موضعة الظاهرة الإنسانية جان  بياجي:

يرى جون بياجي:  انه من الصعب  قيام دراسة موضوعية للإنسان وبالتالي نشوء علوم إنسانية على غرار العلوم الحقة،وذلك لأن الإنسان يكون في نفس الوقت ذاتا وموضوعا للدراسة  وهذا ما يجعل قيم الإنسان ومواقفه الإيديولوجية تتدخل بشكل كبير في هذه العلوم.

  ويبين أن ظهور العلوم الإنسانية المتأخر مقارنة  بالعلوم الأخرى، خاصة  إذا ما أخدنا مثال الفيزياء التي تأخرت عدة قرون مقارنة مع الرياضيات ، يدفع إلى اعتبار الوضعية التي توجد عليها  العلوم الإنسانية أمرا طبيعيا  وبداية متواضعة، ويجعل الآمال المعقودة على تطورها وتحقيق إنجازات علمية في مجالها  مشروعة وقائمة.

إلا أن الوضعية الابستمولوجية للعلوم الإنسانية -- مقارنة مع العلوم التجريبية— حيث تتداخل الذات الدارسة مع موضوع الدراسة يجعل  من الصعوبة بمكان القيام بدراسة موضوعية لتدخل الأحكام الذاتية وقيم الدارس، وذلك لكونه منخرطا وملتزما بهذه القيم ، فالإنسان في هذه العلوم هو في نفس الوقت الدارس (الذات)والمدروس (الموضوع) وهذا ما يجعله يحتكم إلى حدسه ويجعل دراسته تبتعد عن الموضوعية اللازمة لكل دراسة علمية.

فالتزام الباحث وانخراطه في الحياة التي هي موضوع دراسته يجعل قيام علوم موضوعية أكثر صعوبة  بل ان دراسته لهذه الظواهر قد تؤثر على هذه الظواهر وتغير من طبيعتها على العكس من العلوم الطبيعية حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع.

2-    فرنسوا باستيان:

الأطروحة : عن العلوم الإنسانية  علوم تقوم على مفارقة اساسية والتي تتمثل في علاقة الذات بالموضوع فالعلم الإجتماعي هو في نفس الوقت الذات الدارسة والموضوع المدروس ، وبالتلي فهذا الدارس لايمكن ان يتخلى عن ذاتيته وقيمه التي تشبع بها وان ينظر اليها كاشياء خارجية ،هذا التخلي عن الذاتية هو شرط كل بناء علمي حقيقي ،لايمكن للعالم الإجتماعي ان يحققه حتى لو رغب فيذلك.

  يرى فرنسوا باستيان  ان العلوم الإنسانية (الاجتماعية )  تقوم على  مفارقة فكونها علوم يفترض فيها انفصال الذات وحيادها إزاء موضوع الدراسة   ( أي قيام دراسة موضوعية ) إلا إن الإنسان في هذه العلوم هو الذات والموضوع في نفس الوقت ، من هنا صعوبة قيام دراسة موضوعية ( والتي هي شرط لكل علمية) ما دام الدارس الذي هو عضو منخرط في جماعة معينة وملتزم ايديويوجيا ويحمل قيما أخلاقية معينة مما يجعل من غير الممكن دراسة الوقائع الاجتماعية بحياد أو موضوعية ( سواء كان الأمر يتعلق بدراسته لجماعته او لجماعة اخرى تملك قيما مخالفة للتي يؤمن بها).

 ولقد وظف النص آلية  الاستشهاد بقولة نوربرت الياس الذي  يرى انه عكس العلوم التجريبية التي لا يحتاج الباحث لتفسير الظواهر الطبيعية  فيها  إلى الالتحام معها وتخيل نفسه كجزء منها ، فإنه لفهم  الظواهر الإنسانية ونمط اشتغالها لابد من الانخراط والمشاركة الفعالة في تلك الظواهر.

وهذا التأكيد يتنافى مع ما حاول مؤسسوا العلوم الإنسانية ( الاجتماعية)  نفيه  لكونه يتعارض مع قيام علوم إنسانية موضوعية شبيهة بالعلوم الحقة وهذا ما أشار اليه دوركايم  حينما أعتبر الوقائع الاجتماعية أشياء  وماكس فيبر الذي دعا إلى ضرورة التزام الموضوعية والحياد القيمي  الذي يقوم على التمييز بين الأحكام الواقعية و الموضوعية (أحكام كونية علمية) والأحكام القيمية (النسبية) التي يجب الإبتعاد عنها.

                                                     المحور الثاني:  التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

1-      الظاهرة الإنسانية بين التفسير والتنبؤ كلود ليفي ستروس:

الإشكال المطروح:

هل الظواهر الإنسانية قابلة للتفسير- مثلها مثل الظواهر الطبيعية – أو أنها تقبل فقط الفهم ، أم أن عليها أن تجمع بينهما؟

يقول غاستون غرانجي " التفسير هو كشف العلاقات  الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع. واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنتج عنها. إنه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة  معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تشكل ترسيمة  أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة..." عكس الظواهر الإنسانية  التي تقوم على الفهم حيث تهدف نقل-  بصورة حدسية-  إحساسا أو تقديرا  أو انفعالا ما... إلا أن هذا الفهم له حدود لا يجب تجاوزها وإلا أصبح نوعا من الأساطير أو السحر..

يقول دلتاي:" نطلق الفهم على السيرورة التي نعرف من خلالها ما هو باطني اعتمادا على علامات ندركها من الخارج بواسطة حواسنا..."

يقول جيل مونرو  "فالخاصية المميزة للفهم هي البداهة  والوضوح . وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح بحيث يكون كافيا ومكتفيا بذاته...

بخلاف العلاقات القابلة للفهم فإن العلاقات التفسيرية هي علاقات ... تقوم على الاعتقاد بصحة جملة من الطرائق  والإجراءات الموضوعية  فالفهم هو بداهة مباشرة ، في حين  أن التفسير هو تبرير أو تعليل حدوث ظاهرة بافتراض ظاهرة أخرى"

أطروحة ستروس:

تقدم العلوم الطبيعية يرجع في جزء كبير منه إلى الجمع بين التفسير والتنبؤ، بينما تبقى محاولة العلوم الإنسانية الجمع بينها تسير في اتجاه سيء مما تجعلها تبقى في منتصف الطريق بين الفهم  حيث لا تقدم في الغالب إلا تفسيرات فضفاضة، بينما لا يحالف النجاح تنبؤاتها في كثير من الأحيان ولكنهذا لايعني عدم جدوى هذه العلوم  بل هذا يكشف عن موقف أصيل فيها يجمع بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة  .

حجاج النص:
           يبين النص انه رغم عدم وجود علاقة ميكانيكية بين التفسير  والتنبؤ داخل  العلوم الدقيقة ، إذ نلاحظ أن العلوم الطبيعية بإمكانها أن تقدم تفسيرات لظواهر لا تقدر على  التنبؤ بها أو العكس التنبؤ بظواهر لا تستطيع تفسيرها ، فإن  الجمع بينهما  شكل احد أهم الأسباب في نجاح وتقدم هذه العلوم .وبالتالي فإن هاتين العمليتين ( التفسير والتبؤ) تكونان موضوعا للتجريب والتصحيح بشكل مستمر.

ولكن  الوضعية الابستمولوجية  للعلوم الإنسانية ومحاولتها  الجمع بين هاتين العمليتين جعلها في وضعية صعبة وتسير في اتجاه سيء، إذ لم تستطيع تقديم تفسيرات  دقيقة بل فقط  فضفاضة للظواهر المدروسة ولا تنبؤات دقيقة وصحيحة بل في الغالب خاطئة ،وهذا ما جعلها تقف  في وسط الطريق بين التنبؤ والتفسير. إلا أن قيمتها النظرية و النفع العملي لها   يكمن بالضبط في مدى قدرتها على الموازنة  بين التفسير والتنبؤ ، وذلك بطريقة أصيلة تتلاءم مع خصوصيتها مما يجعل المعارف التي تقدمها تكتسي طابعا معرفيا خالصا من جهة وطابعا  نفعيا عمليا من جهة أخرى وهذا يتطلب عدم الفصل بين التفسير والفهم.

2-    الإنسان يفهم  دلتاي :

الأطروحة : على العلوم الإنسانية( العلوم الروحية) ان تتخد منهجا يتلاءم مع الظواهر المدروسة وهذا من حقها ، فكما إتخدت العلوم الطبيعية منهجا خاصا بها   هو المنهج التفسيري الذي يتلاءم مع الظواهر الطبيعية ، فعلى العلوم الروحية ان تكيف منهجها مع الظواهر التي تدرسها والتي تحتاج الى منهج يقوم على الفهم.

   فعلى العلوم الإنسانية عكس ما يدعيه أصحاب المنهج الوضعي الابتعاد عن المنهج التفسيري  أو التجريبي الذي تتخذه  العلوم الطبيعية، وتبني منهجا خاصا يتلاءم مع  خصوصية موضوعها ( الظواهر الإنسانية) . لأن إتباع واتخاذ منهج العلوم الطبيعية لا يشكل معيارا للعلمية بل ،إن هذا المعيار يجب أن يكون هو التشبه بالعلماء الطبيعيين الذين بنوا منهجا خاصا  يتلاءم مع الموضوعات والظواهر التي يدرسونها. أي أن تبني العلوم الإنسانية( الروحية) منهجا يتلاءم مع الظواهر الإنسانية  وهذا ما يشكل معيار علميتها الحقيقي.

فالظواهر الطبيعية تبدو للدارس ظواهر معزولة وخارجية عن الذات ، وبالتالي يتم تفسيرها بواسطة استدلالات عقلية تقوم على الفرضية والتجريب، آما الظواهر الإنسانية  فتقدم نفسها للعقل كظواهر حية وكمجموع كلي ومترابط من المعطيات والوظائف النفسية والعقلية والعناصر المكونة لها،  تدرك بشكل كلي بواسطة التجربة الداخلية أي الوعي  الداخلي (الفهم)وهذا ما يجعلها قابلة للفهم وليس للتفسير مثل الظواهر الطبيعية.

من هنا ضرورة تفرد العلوم الإنسانية بمنهج خاص بها يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ولا يسعى إلى تفسيرها.

 

                                          المحور الثالث : نموذجية العلوم التجريبية:

1-    العلمية المشروطة: فيليب لابورط - طوها وجان- بيير وانيي:

الأطروحة: إن الوضعية الإبستمولوجية التي تجد العلوم الإنسانية نفسها امامها والناتجة عن تعقد موضوعها وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها من جهة ، وتداخل الذات والموضوع من جهة أخرى إضافة الى حداثة عهدها  يجب ان لاتكون عائقا بل يجب ان تعطي نموذجا ومثالا يحتدى وذلك بالإحتياط المنهجي من خلال الوعي بهذه العوائق وتكييف مناهج الدراسة معها.

فإذا كانت حداثة العلوم الإنسانية وتعقد موضوعها وغناه وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها ،عكس ما هو ملاحظ في العلوم الطبيعية فإن المنهج الذي يجب ان يطبق على هذه العلوم يجب ان يتصف بالحذر ، وان يكون اكثر تطورا من مثيله في العلوم الطبيعية التي تعتمد بشكل اساسي على التجربة.

 إن تداخل الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية ،يفترض قدرة الذات ان تحرر من ذاتها وتدرس موضوعها بوصفه شيئا مخالف أي لا-أنا أي فهم الآخر المخالف. فالملاحظ في العلوم  الإنسانية هو طرف( موضوع للدراسة) وحكم ( الذات الدارسة ) في نفس الوقت ، وهذا ما يجعل الإقتداء بالعلوم الطبيعية صعبا ( حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع) ، إلا ان هذه الصعوبة يجب ان لاتكون عائقا  امام  قيام دراسة علمية إنسانية  بل يجب ان تكون  دافعا وهدفا ومثالا ينيغي قصده في كل بحث  ، فإدراك الباحث لهذه الصعوبة يساعده على الأقل جزئيا على الحذر منها والعمل على تجاوزها ووضع مسافة بينه وبين الموضوع ( اللا- انا) .

فإدراك العلوم الإنسانية لهذه الخاصية ،حضور الذات، هو عامل يدفعها لإحتياطات منهجية إضافية، تمكنها من الدراسة العلمية، خاصة إذا علمنا انه حتى في العلوم الطبيعية ليس هناك قطيعة نهائية او تامة بين الذات والموضوع ما دامت الفيزياء المعاصرة  نفسها تأخد بعين الاعتبار عامل تدخل الملاحظ، و بالتالي فهذا فقط يتطلب  تكييف المنهج العلوم الإنسانية مع الموضوع المدروس.

2-      حدود العلم الموضوعي : موريس ميرلوبونتي:

الأطروحة: يرى ميرلوبنتي أن الذات  وتجربتها في العالم المعيش هي أساس كل علم ومعرفة ، فكل علم  مصدره وجهة نظر خاصة بالذات وبالتالي فالحديث عن موضعة الدراسة الإنسانية ،نظرة خادعة  تجعل العالم مستقلا عن الذات في حين انه يوجد من أجل الذات ويتحدد من خلالها.

يبين النص أن كل ما تعرفه الذات عن العالم- ولو كان مصدره العلم- ينطلق من وجهة نظر خاصة بها ومن خلال تجربتها المعيشية وبدون هذه النظرة أو التجربة  لن يكون أي معنى للرموز العلمية. لأن العلم يبنى أساسا  انطلاقا من العالم والتجربة المعيشة . فالعلم ليس إلا تعبيرا  بعديا  عن  العالم المعيش الذي هو سابق عليه ، و الذي يقدم  العلم تفسيرا له.

انطلاقا من ذلك فإن الدراسة الموضوعية ( الخارجية) للإنسان لا تقدم حقيقة هذا الإنسان ولا يمكنها النفاذ إلى ذاته  ، وبالتالي  فلا يمكن للدراسات العلمية سواء للعلوم الطبيعية مثل علم الحيوان او العلوم الإنسانية مثل المورفولوجيا الإجتماعية او علم النفس اوالتاريخ  او غيرها تقديم صورة متفردة وحقيقة للذات  لأن وجودها لا يتحدد من خلال محيطها  المادي أو الاجتماعي ،بل وجود الذات هو الذي يحدد ويدعم هذه المحددات ، فالذات  توجد بشكل متفرد من أجل ذاتها ولا توجد في مكان أحد أخر أو يوجد احد في مكانها –  وهذا ما يستبعد مفهوم الموضوعية التي تركز على ما هو موضوعي ولا شخصي  - إن الذات تمثل ما هو شخصي ومتفرد وما هو خاص تعيش لذاتها ومن أجل ذاتها وتنظر إلى العالم وفق منظورها الخاص.

من هنا فإن  النظر إلى الذات من منظار الموضوعية العلمية وتحويلها الى مجرد لحظة من لحظات العالم وذات مثل الذوات والأشياء الأخرى ، هي وجهة نظر خادعة تقوم على مسلمة وجود عالم موضوعي منفصل عن الذات وتجربتها المعيشة ، في حين ان العالم مرتبط أساسا بالتجربة المعيشة للذات.

                                       

العلوم الانسانية                      نموذج  علم الاجتماع   انجاز يج عمر

                                                  المحور الاول: موضوع علم الاجتماع:

1دوركايم موضعية الوقائع الاجتماعية:

يرى دوركيم رورة تحديد موضع علم الاجتماع قبل  البحث عن المنهج الكفيل تطبيقه لدراسة الظواهر الاجتماعية ، وبالتالي تحديد ما المقصود بالواقعة الاجتماعية ، لن كامة اجتماعي كثيرا ما تستعمل بمعنى عمومي جدا حيث تطلق عى جميع الظواهر الانسانية .

فالاكل والنوم والتفكير  وغيرها إذا نظر اليها كواقائع اجتماعية فلن يكون لعلم الاجتماع موضوعا خاصا به وستتداخل معه علوم اخرى مثل البيولوجيا والسيكولوجيا ...

ألا ان هناك ظواهر مختلفة  في كل مجتمع تتميز بخصائص واضحة ، تختلف عن تلك التي تدرسها العلوم الاخرى .فوجود ادوار اجتماعية ،وواجبات ، والتزامات مرتبطة بالقوانين والتشريعات تفرض نفسها على الفرد ، والعادات الاجتماعية ، بوصفها وقائع موضوعية لانها ليست من صنع الفرد نفسه – رغم شعوره الداخلي بواقعيتها – ولكن تلقاها بواسطة التربية من الخارج أي المجتمع.

والدليل على ذلك اننا كثيرا ما نجهل تفاصيل الواجبات التي نحن مطالبين بها فنضطر للاستفسار عنها والبحث عنها في المراجع والكتب المختصة.ونفس الشيء يمكن قوله عن المعتقدات الدينية التي يجدها الفرد مكتملة امامه حتى قبل بروزه الى الوجود. فاللغة وطرق التفكير والتعبير والنظام النقدي والأدوار الاجتماعية والمهنية كلها تشتغل باستقلال تام عن الفرد ، واستخدماته الخاصة لها . هذه الظواهر كلها تلتقي في خاصية اساسية هي انها توجد خارج وعي الفرد وتتصف بالالزام والاكراه ، وتفرض نفسها عليه ، رغم ان الفرد يشعر انه يلتزم بها بطريقة ارادية .

هذا الطابع الخاص والمميز لهذه الظواهر  هو مايميز ويسمح لنا باطلاق الواقعة الاجتماعية عليها . وهذه الواقعة هي موضوع علم الاجتماع ، انها وقائع تتميز بالاكراه الخارجي والاستقلالية عن الفرد، وتفرض عقوبات على من يحاول تجتهلها ، وهي تتميز بالثباتوالإكراه والخارجية ، والعموميةوالاستقلالية عن الظواهر الفردية.

2-  لوسيان غولدمان :صعوبة بناء الموضوع الاجتماعي:

يقوم لوسيان غولدمان بنقد التصور الموضوعي الذي يؤسسه دوركايم مبينا ان دوركايم يتجاهل مدى امكانية تحقيق عالم الاجتماع في الواقع الحياد واللالتزام بالموضوعية، أي مدى امكانية دراسة الوقائع الاجتماعية ك"اشياء" خارجة عن الفرد .

وينطلق في نقده من قولة لدوركايم حدد فيها مفهوم الجريمة بانها كل فعل يعاقب الفرد على فعله ، أي رد فعل المجتمع عندما يقوم الفرد بافعال معينة مبينا ان هذه الجريمة تصبح موضوع علم الجريمة.

هذا التعريف الذي يقدمه دوركايم يحلله غولدمان  مبينا ان تعريف يتصف بالشمولية والعمومية ،بحيث يضم وقاع اجتماعية متنوعة ومختلفة ولارابط بينها ، هكذا يشمل هذا التعريف مثلا طرد المسيح للتجار من المعبد نونشاط الثوريين مثل ماركس ولينين من جهة ومن جهة اخرى سرقة ،او جريمة قتل وقعت.

منهذه الامثلة الواقية يكشف غولدمان ،ان دوركايم يتجاهل احكام القيمة ويعتبرها مجرد بقايا – ستزول قريبا- ترجع الى حداثة علم الاجتماع مقارنة مع الفيزياء والرياضيات ، وعلى العكس من ذلك يبرز النص ان الوضع مختلف تماما في علم الاجتماع والعلوم الانسانية حيث نجد اختلافا جدريا في المواقف فليس هناك اجماع ضمني او صريح حول هذه القيم –بخلاف العلوم الحقة- فمثلا وصف الثوري بالمجرم قد يهذف الى اخفاء حقيقة ذلك الثوري. وبالتالي يستنتج النص ان الدارس في علم الاجتماع غالبا ما يدرس موضوعه ويقاربه انطلاقا من مفاهيم وقيم قبلية لاواعية تسد الطريق امام الفهم الموضوعي للوقائع الانسانية أوالاجتماعية.

                                                       المحور الثاني: مسالة المنهج

1- ماكس فيبر: المنهج التفهمي

يرى فيبر ان السلوك الانساني في مظاهره الخارجية أو الداخلية يتميز بترابطات وانتظمات خاصة تجعله يتطلب الفهم والتأويل.

فالسوسيولوجيا التفهمية تتمثل في دراسة السلوك الانساني او الاجتماعي الذي يتميز ب:

1- كونه سلوك يرتبط بسلوك الغير ويتميز بالدلالة والقصدية والذاتية.

2- هذا السلوك يتميز بالتطور ويكون مشروطا بهذه العلاقة الدالة والبينذاتية.

3- ويكون قابلا للتفسير بطريقة تفهمية انطلاقا من الدلالة والقصد الذاتي لفاعله .

ويمكن ايضا اعتبار الظواهر العاطفية  جزءا من الظواهر التي تتضمن معنى ذاتيا في العلاقة مع الغير :فالحالات الشعورية مثل الاحساس بالكرامة والغيرة والتكبر والحسد....لايهمنا فيها الجوانب الفيزيولوجية ولا السيكوفيزيائية بقد ما يهمنا فيها دلالتها القصدية ،وبذلك تكون  السوسيولوجيا –عكس العلوم الحقة –تتاسس على المقاربة التفهمية ، أي دراسة العلاقات الدلالية النموذجية التي يتسم بها السلوك المعبر عن ذه الظواهر في مظاهرها الخارجية.

2- أيان كريب: التحليل والتفسير في النظرية الاجتماعية:

ينطلق النص من ضرور تحديد مفهوم السبب في علم الاجتماع ، اذ لايكفي النظرة في علم الاجتماع ان تقترح ان هذا سبب ذاك ،بل لابد لها من تفسير كيف تقع عملية السببية تلك.

في حالة المجتمع هناك تصور بنيوي لمفهوم السبب،إذ ان السبب لايكمن في حادثة بعينها ،بل يكمن في ترتيب معين للعلاقات ،هذه العلاقات تحدد اطارا وتشكل آلية سببية –مثال زر الاضاءة- تؤدي إذا حركت الى نتائج معينة .ويجب على النظرية ان تحدد وتحلل نوعية الظروف التي تجعل هذه الآلية تعمل ...

الا ان هناك شكلا آخر للتفسير ،هو ذلك التفسير الذي يتناول تفسير افعال الفاعلين الاجتماعيين ، فهذا التفسير لأفعال البشر واسباب افعالهم له بنية مختلفة عن الآلية والبنية التي سبق شرحها. وعن مفهوم السبب المشاراليه سابقا.

فالفاعلون يتأملون أفعالهم ويتخدون قرارات وفق حسابات محددة ومقاصد ونوايا خاصة بهم .

وعندما نتكلم عن السبب فعل ما في الحياة اليومية ،فذلك يشمل مجموعة من الأمور أهمهاقصد الفاعل ،أي الوضع الذي يريد ان تكون عليه الأمور او قصد الفاعل وهذا ما نسميه بالتفسير الغائي . حيث تكون النتيجة النهائية موجودة في قصد الفاعل بشكل مسبق،أي ان النتيجة هي  السبب. وغن كام هماك نقاش وجدل واسع جدا حول هذه الطريقة في التفسير ومدى صحتها ،الا انني اعتقد ان التفسير الغائي على صعيد الممارسة متضمن بالفعل في كل الأشكال النظرية الاجتماعية التي تتحدث عن الفعل الانساني.

                                   المحور الثالث النظرية الاجتماعية:

انطوني غودنز النظريات الاجتماعية:

يبن غودنز ان هدف علماء الاجتماع كان تعبير عن الرغبة في فهم التغيرات والتطورات التي لحقت مجتماعاتهم بعيدا عن التفسيرا المجردة التي كانت سائدة في تلك الفترة ،والعمل على تطوير الوسلائل الكفيلة بدراسة هذه المجتمعات وادراك طبيعة التغير الاجتماعي. حيث نجد اختلافا كبيرا بين المناهج التي اتبعها هؤلاء . فنجد تركيز كل من دوركايم  وماركس على قوة المؤثرات الخارجية على الفرد في حين ان فيبر انطلق من قدرة الفرد على التاثير بطريقة خلاقة على العالم الخارجي.، واذا كان ماركس ركز على هيمنة القضايا الاقتصادية ،توسع فيبر في دراسة مجموعة من العوامل الاخرى. ...هكذا تطورت واستمرت وتواصلت الاختلافات بين الدارسين الاجتماعيين وتنوعت اساليب المقاربة والمناهج المتبعة وحتى عند الاتفاق على موضوع التحليل تمت معالجته من زوايا مختلفة.هكذا يرتبط اسماء هولاء الباحثين دوركايم  ماركس، فيبرباتجاهات نظرية او مدارس حديثة هي المدارس: الوظيفية، والصراعية، ,التفاعلية الرمزية،والتي يقوم النص بتحديدها وابرازالاسس التي تقوم عليها.

 

                                            المدارس الاجتماعية التي يتناولها النص

 

الوظيفية

 

منظور الفعل الاجتماعي

 

التفاعلية الرمزية

 

ترى ان المجتمع نظام معقدن تعمل جميع مكوناته واجزاءه سويا لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته. بحيث يكون علم الاجتماع هو الكشف عن العلاقات بين هذه المكونات بعضها ببعض وعلاقتها مع الكلز مثال  تحليل المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعيةباظهار صلتها بالمؤسات الاجتماعيةلأن اجزاء المجتمع تنمو بصورة متقاربة مع بعضها البعض.

منهنا ظرورة دراسة الوظيفة التي تؤديها الممارسات الاجتماعية من خلال ما تقدمه من الحفاظ على وحدة وديمومة المجتمعح حيث كثيرا ما يلجا دوركايم وكومت لمقارنة المجتمع بما شبهه من كائنات عضوية.

بحيث يعتقد هؤلاء ان ااجزاء المجتمع تعمل سويا ووبصورة متناسقة ومتكاملة وتهدف الى وظيفة اساسية ونهائية مثل ما هو الشان في الاجسام العضوية الحية. من هنا ضرورة ابراز الدور الذي تقوم به اجزاء المجتمع فيالحفاظعلى المجتمع وعافيته ووحدته.

فهذه المدرسة تشدد على اهمية الاجماع الاخلاقي في الحفاظ لىالنظام والاستقرارفي المجتمع  من خلال اشتراك اعضاء المجتمع في نفس القيم.- الدين مثلا يؤكد التمسك بالقيم الاجتماعية الجوهرية ، ويسهم في صيانة التماسك الاجتماعي,
 

إذا كان المنظور الوظيفي والصراعي يؤكد على اهمية البنى الاجتماعية في توجيهالمجتمع والتاثير على سلوك الافراد .نجد على العكس من ذلك تاكيد نظريات الفعل الاجتماعي على اهمية الفعل والفاعل والتفاعل بين اعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى. بحيث تعتبر ان دور علم الاجتماع ليس ابراز تاثير هذه البنى على الأفراد ولكن البحث عن المعاني التي يكتسيها الفعل الاجتماعي والتفاعل.وبالتالي تحليل الاسلوب الذي يتصرف به الفاعلون ويتفاعلون به فيما بينهم من جهة ومع المجتمع من جهة اخرى.وليس طرح النماذج النظرية التي يشتغل بها المجتمع كما تفعل المقاربات الصراعية والوظيفية.

ويعتبر فيبر في الغلب هو اول الداعين الى تبني هذا المنظور الاجتماعي. إذ رغم اعترافه باهمية البنى الاجتماعية كالطبقات والأحزاب وغيرها فإنه اعتبر ان هذه البنى هي من خلق الافراد.وقد تم تطوير هذا الموقف في طار المدرسة التفاعلية الرمزية  التي برزت في الولايات المتحدة الامريكية بصورة خاصة.والتي تاثرت بشكل غير مباشر بفيبر واساسا باعمال جورج هربرت ميد.

 تهتم هذه المدرسة بالقضايا المتصلة باللغة والمعنى  اذ يرى ميد ان اللغة تمكننا من الوعي الذاتي والاحساس بالفرديةورؤية انفسنا من الخارج مثلما يرانا الآخرون. حيث يشكل الرمز العنصر الرئيسي. والرموز تشمل ايضا الايماءات الغير الشفوية واشكال التواصل الاخرى . فميد يرى ان البشر يعتمدون على رموز وتفاهمات ومواضعات مشتركة في تفاعلهم مع بعضهم البعض.وبالتالي لكون عالم البشر زاخر بالرموز المختلفة فان جميع عمليات التفاعل بين الافراد تشمل تبادل الرموز .فالتفاعلية الرمزية توجه انتباهناالى تفصيلات التفاعلات الشخصية والطريقة التي تعطي بها معنى لما يقولهه ويفعله الاخرو،. وينوه اصحاب هذه المدرسة بالدورالذي تؤديه هذه التفاعلات في خلق المجتمع ومؤسساته.

ولاشك في اهمية هذه المدرسة في تقديم اضاءات على افعالنا الا انها تعرضت لنقد واسع لانها تهمل قضايا اساسية التي تتعلق بالسلطة والبنى في المجتمعوبالطريقة التي يفرضان بها القيود على الفعل الفردي.

 

هذا الاختلاف الكبير في نظريات علم الاجتماع مؤشر على حيويته ويجب اعتباره موطن قوة لا وطن ضعف كما يعتقد البعض.ويتفق جميع علماء الاجتماع على ضرورة وضع الاراء الشخصية جانبا والالتزام بنوع من الموضوعية والحياد،وضرورة التاني في دراسة الظواهر الاجتماعية المؤثرة في سلوكنا والآخرين. فعلم الاجتماع ليس مجد مجهود نظري تجريدي بل ينطوي على مضامين عملية لحياة الناسزوهذا يتطلب مجهودا فكريا يقوم على الخلق والابداع وربط الاراء والنتائج الاجتماعية بالاوضاع والمواقف التي واجهها الفرد في حياته.وضرورة ادراك جوانب الاختلاف بين مجتمعاتنا والمجتمعات الاخرى بطريقة ايجابية.

إنجاز:يج عمر استاذ الفلسفة                   المفهوم  الثالث: مفهوم الحقيقة

التأطيرالإشكالي  

1-    الدلالات اللغوية والاصطلاحية: 

الحقيقة: حق الأمر :صح وثبت وصدق . حق الأمر تيقنه وصدقه.

حسب الجرجاني في التعريفات :" الحقيقة اسم لما أريد به ما وضع له . وهي فعلية من حق الشيء إذا ثبت ... هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح يتم به التخاطب ( في مقابل المجاز)  و الشيء الثابت قطعا ويقينا. ويقال حق الشيء إذا ثبت . وهي اسم للشيء المستقر في محله، وما به الشيء هو هو ( ماهية الشيء) كالحيوان الناطق للإنسان."

" الحق في اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والمذاهب ... باعتبارها تشتمل على ذلك . ويقابله الباطل . والصدق قد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب. وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته للواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه." .

2-    الدلالة الفلسفية:

لالاند " الحقيقة هي خاصية ما هو حق وهي القضية الصادقة ، وما تمت البرهنة عليه ، وشهادة الشاهد الذي يحكي ما فعله  وما رآه ، والحقيقة بمعنى اعم هي :الواقع"

" والحق  أو الصادق هو خاصية الحكم الجازم الذي يستوجب الموافقة التامة عليه . وما هو موجودا فعلا وواقعا... والشيء الأصيل في مقابل المزيف."

الرأي :الاعتقاد ، العقل التدبير ، النظر والتأمل  ... الرأي عند الأصوليين استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة.

التقابلات

الحقيقة/ الكذب  الحقيقة/ الغير الواقعي ، الغير اليقيني،الباطل.   الواقعي/ غير الواقعي ،  المزيف.  الصدق/ الكذب

  جوهر الشيء وماهيته الثابتة/ الأعراض ، الزائلة والمتغيرة.           يقيني/مشكوك فيه ظني

   هذه التقابلات تطرح مجموعة من الإشكالات والتساؤلات:

الحقيقة والواقع  : 

إلا يلاحظ أن هناك أشياء واقعية غير حقيقية فالكذب نفسه يوجد في الواقع... كما إننا نعتبر كثيرا من الأشياء غير موجودة واقعيا

حقائق...فالذهب المزيف واقعي مثله مثل الذهب الخالص.

الحقيقة  تكمن في الحكم أو القضية

فقولنا هذا ذهب حقيقي  ؟ هي قضية قد تكون صادقة او غير صادقة  كيف؟ أي أن الأمر يتعلق ليس بالمعدن الذي نشير اليه بل بحكمنا عليه ، فالحكم هذا ذهب هو الحقيقي ام غير حقيقي . بينما المعدن الذي نشير اليه طبيعته هي هي ، فالقضية ستكون صادقة إذا ما طابقت طبيعة الشيء الواقع وستكون كاذبة( غير حقيقية إذا لم تتطابق معه). وهذا ما يدفعنا الى التساؤلات التالية:

هل الحقيقة توجد معطاة في الواقعي وهل يمكن القول أن الحقيقي واقعي أو أن الواقعي حقيقي؟

أم أن  الحقيقة توجد في العقل والأحكام والقضايا العقلية؟ وكيف يمكن التحقق من كون آرائنا حقيقية أو غير حقيقة أو ما علاقة الرأي بالحقيقة؟ وما هي معايير الحقيقة وهل هناك معيار واحد ام معايير متعددة حقيقة واحدة ام حقائق مختلفة ؟ حقيقة مطلقة أم نسبية؟ وما الذي يجعلنا نرغب في الحقيقة ونبحث عنها ومن أين تستمد قيمتها؟

(هل الحقبقة معطاة ام مبنية ؟ هل هي مطلقة ام مبنية؟لماذا البحث عن الحقيقة؟)

النص المشكلة:

إقرأ نص أفلاطون وبين الإشكال الذي يطرحه النص؟ استخلص تصور أفلاطون للحقيقة.

أسطورة الكهف لدى أفلاطون :

أشخاص مقيدون منذ صغرهم ولا يستطعيون  الإلتفات الى ما وراءهم ، حيث ينظرون إمامهم فقط ويشاهدون مجموعة من ظلال الأشياء التي تعكسها نار وراءهم، وهم لم يروا في حياتهم غير ظلال هذه الأشياء وهذا جعلهم يعتقدون أن تلك الظلال هي حقائق الأشياء. ماذا سيقولون لو تم تحريرهم وخرجوا من الكهف ورأوا صور الأشياء الحقيقية في نور الشمس.

( رموز الأسطورة: الكهف العالم الماذي السفلي المحسوس. ،  القيود: الحواس .  الظلال: الأشياء المعرفة الحسية.   ،  خارج الكهف العالم العلوي والمعقول ، عالم المثل الحقيقي     ،  وضوء الشمس : مثال الخير والمعرفة الحقة ( العقلية) الذي يتوصل إليه بالتحرر من المعرفة الحسية - ومن القيود-، من خلال الجدل الصاعد = بواسطة العقل) =  للوصول الى الحقيقة  لابد من التحرر من المعرفة الحسية والقيود التي تفرضها على الإنسان العادي وحده الفيلسوف قادر الى بلوغ الحقيقة من خلال التامل العقلاني المجرد من كل حس وكل منفعة عملية....

فالحقيقة لا توجد إذن في العالم الحسي والمعرفة الحسية مجرد ظنون لا تملك قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة هي أساسا عقلية ومعقولة ومجردة وتوجد في عالم المثل عالم المعقولات..

وهذا ما يجعلنا نطرح علاقة الحقيقة بالرأي وهل الحقيقة نجدها جاهزة ومعطاة ؟ أم هي بناء عقلي؟

يمكن التمييز بين مستويين من المعرفة حسب برتراند راسل المعرفة بالأشياء والتي تكون مباشرة ولا تحتمل الخطأ فإما إن نعرف الأشياء أو لا نعرفها ، ومعرفة الحقائق ، حيث نعتقد ما هو حق مثلما نتعقد ما هو خاطيء وباطل.

                                    المحور الأول : الرأي والحقيقة:

1-    اطروحة باسكال حقائق العقل وحقائق القلب

يبين باسكال :أن العقل وحده لا يمكنه بلوغ الحقيقة كاملة - كما يعتقد العقلانيون -  لأن هناك حقائق ومباديء القلب الأولية التي تشكل منطلقا للبرهنة عن حقائق العقل.

حجاج النص:

يعتمد النص الإثبات والعرض: مبينا  أن الحقيقة لا تدرك بالعقل وحده كما يعتقد العقلانيون ، لأنها تدرك أيضا بواسطة القلب . فالقلب هوأ ساس المبادئ الأولى التي تشكل منطلق كل استدلال  عقلاني رغم محاولة العقلانيين التشكيك في هذه المبادئ. - وهذا أيضا ما قام به الشكاك البيرونيين دون فائدة- .

فالحقيقة نوعان  النوع الأول يدرك بالقلب ، هذه الحقيقة القلبية  هي مباديء أولية واضحة وصلبة وهي من حيث قوتها وبداهتها أقوى من  تلك التي تقوم على الاستدلال العقلي. وعلى سبيل المثال :المكان والزمان والحركة والأعداد التي ندركها مباشرة بالقلب.

والنوع الثاني هو الحقائق العقلية التي يتم  البرهنة عنها عقليا إنطلاقا من المباديء الأولية ( القلبية) وبالتالي فأن العقل والحقائق العقلية تجد منطلقها وتبني خطابها من تلك المبادئ الأولية، فالاستدلالات العقلية يجب أن تستند إلى المبادئ الأولية القلبية.

ولتوضيح ذلك يلجأ النص إلى التمثيل: القلب يدرك أن المكان يتكون من 3 إبعاد، أو أن الأعداد لانهائية والتي ينطلق منها العقل للبرهنة على عدم وجود عددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.

بذلك يستخلص أن المبادئ يتم الشعور بها وإدراكها بشكل مباشر( محلها القلب) ، أما القضايا فيتم البرهنه عليها واستخلاص بعضها من البعض( محلها العقل.) وكل من القضايا أو المبادئ تتصف بنفس القوة واليقين رغم اختلاف طريقة تحصيلها. وبالتالي فلا يجوز للعقل أن يطلب من القلب البرهنة على مبادئه كي يتوافق معها كما لا يجوز للقلب أن يطلب من العقل الشعور  بالقضايا التي يبرهن عليها ليتلقاها منه.

هكذا يتوصل النص  إلى القول أن كل من القلب والعقل يختص في نوع من الحقائق فالقلب، بالمباديء الاولى والعقل ،بالقضايا مما يجعل الواحد يكمل ألآخر.    

2-  أطروحة غاستون باشلار الراي مخطيء دوما :

 يرى  باشلار  أن بادئ الرأي مخطئ دوما ولا يقدم حقائق بل يترجم الحاجات إلى معارف، والحقائق العلمية مناهضة دوما لباديء الرأي وهذا يعني أنها بناء عقلاني ينطلق من طرح الأسئلة الصحيحة والإجابة وفق منهج دقيق. ( نفي لوجود حقائق تقوم على المعرفة القلبية المباشرة التي لن تكون في النهاية إلا أراء أولية معرضة للخطأ)

 يبين النص أن الرأي والعلم متعارضين دوما ، وإن وافق العلم الرأي  في بعض الأحيان، فسيكون لسبب وطريقة مغايرة لباديء الرأي.

وما يجعل باديء الرأي مخطئا  دوما هو كونه لا يقوم على برهنة عقلانية، لأنه خاضع للحاجيات اليومية والرغبات والمعتقدات والانطباعات الخاصة بالإنسان العادي، وبتعبير باشلار فهو يترجم الحاجات إلى  معارف من هنا يعتبر باشلار أن بادئ الرأي هو عائق إبستمولوجي أمام المعارف والحقائق العلمية ، وينبغي بالضرورة تجاوزه.  فالعلم ، لا يمكن ان يعالج القضايا التي لا يفهمها ،بل المعالجة العلمية تفترض طرح أسئلة ومشاكل بشكل واضح ودقيق وفق عقلانية تطبيقية و منهج يجمع بين العقل والتجربة ، تمكن من تقديم أجوبة دقيقة  وهذا معناه أن المعرفة العلمية إذن ليست معرفة معطاة وجاهزة ، بل الحقيقة العلمية  بناء ، ف"لا شيء يحدث تلقائيا، لاشيء يعطى، كل شيء يبنى."

هكذا ينفي النص المعارف الجاهزة والمعطاة كما ينفي باديء الرأي ، فالمعرفة العلمية تبدأ عندما يتم طرح الأسئلة الحقيقية والصحيحة.

                                      المحور الثاني معايير الحقيقة:       

        * إشكال المحور: ما هو معيار الحقيقة؟ وعلى ماذا يمكن تأسيسها؟   

            1-   ديكارت الحقيقة عقليةوتقوم على الحدس والإستنباط  :

الأطروحة: يرى ديكارت أن الحقيقة هي أساسا حقيقة عقلية مادامت المعرفة الحسية معرفة مشكوكة فيها ، وان الحقيقة يتم التوصل اليها  ،دون أن نخشى الوقوع في الخطأ، بواسطة عمليتين عقليتين  هما الحدس والإستنباط . 

تتعارض الحقيقة عند ديكارت مع الرأي، إذ أنها تعتمد على المنهج وعلى قواعد عقلية صارمة( يمكن اختصارها في أربع قواعد رئيسية: البداهة، التحليل، النظام والمراجعة.) وتتأسس الأفكار البديهية على مبدأ الحدس، في حين تتأسس الأفكار الأخرى على مبدأ الاستنباط. هكذا يحدد ديكارت للحقيقة معيارين رئيسيين هما: الحدس والاستنباط. والحدس عنده هو إدراك عقلي خالص ومباشر، ينصب على أفكار بديهية ومتميزة في الذهن بحيث لا تحتاج إلى استدلالات عقلية ولا تقبل الشك؛ كأن أدرك أنني موجود أو أن المثلث هو شكل ذو ثلاثة أضلاع. أما الاستنباط فهو إدراك غير مباشر للحقيقة، بموجبه يتم استخلاص حقائق جديدة من الحقائق البديهية الأولية على نحو منطقي صارم بواسطة عملية الاستنباط . ولذلك فالحقائق التي يتوصل إليها عن طريق الاستنباط لا تقل أهمية ويقينية عن الحقائق الحدسية الأولية، ما دامت صادرة عنها بواسطة حركة فكرية مترابطة ومتصلة تفضي إلى نتائج ضرورية.

 هكذا فالحدس والاستنباط هما أساس المنهج المؤدي إلى الحقيقة. وبذلك فمعيار الحقيقة يتحدد أولا في البداهة المرتبطة بالحدس؛ إذ أن كل فكرة بديهية هي فكرة حقيقية تدرك بواسطة الحدس العقلي الخالص، كما يتحدد هذا المعيار ثانيا بواسطة التماسك المنطقي المرتبط بالاستنباط؛ إذ أن كل فكرة منسجمة منطقيا ومتطابقة مع قواعد الاستنباط العقلي تعتبر فكرة صحيحة ومنطقية.

2-اسبينوزا الحقيقة معيار ذاتها

الأطروحة  :   الحقيقية تحمل معيارها في ذاتها ، لأننا عندما نملك فكرة صحيحة نكون متأكدين منها ولا نشك في صحتتها ، وبالتالي فالحقيقة معيار ذاتها ومعيار الخطأ .

 يرى اسبينوزا  ان معيار الحقيقة  يكمن في البداهة التي تتمثل في كون الفكرة الصحيحة تحمل يقينها في ذاتها، إذ أنها تفرض نفسها على العقل بشكل واضح ومتميز لا يتطرق إليه أدنى قدر من الشك. هكذا فالحقيقة هي معيار ذاتها، وهي تشبه النور الذي ينكشف فيؤدي إلى انقشاع الظلام.  فالفكرة الصادقة او الصحيحة تمتلك  اقصى قدر ممكن من اليقين وبالتالي فإننا لا يمكن  ان نعلم أننا فهمنا شيئا معينا الا إذا سبق لنا وفهمنا هذا الشيء أي إلا إذا كنا نملك عنه فكرة يقينية ، وبالتالي فلو لم نكن نملك يقينا عن  الشيء لما اعتقدنا انه يقيني  أي ان امتلاكنا للحقيقة يعني أننا نملك فكرة مطابقة لموضوعها . من هنا يرى اسبينوزا أن الفكرة التامة هي تلك التي تملك في ذاتها كل الخصائص والعلامات الباطنية المميزة للفكرة الصحيحة. وهذا ما يجعل الحقيقة معيار ذاتها .

 

                                                                     المحور 3 :الحقيقة بوصفها قيمة

الإشكال:

ما قيمة الحقيقة وما الذي يمنحها قوتها  ؟ وما علاقتها بالخطأ وبالعنف؟

1-      تصور مارتن هايدغر:

ينتقد  هايدغر مفهوم الحقيقة كواقع لأن هذا يؤدي الى نفي واقعية الشيء الذي لا يصدق عليه المنطوق رغم واقعيته. كما ينتقد المفهوم الكلاسيكي  للحقيقة كمطابقة المنطوق للموضوع الذي يشير إليه لأنه يؤدي إلى استحالة تطابق المنطوق ( المجرد واللامادي ) مع الشيء (المحسوس والمادي).

لذلك يرى هايدغر ضرورة تجاوز المفهو م الكلاسيكي للتطابق والتوافق الذي يعني حدوث تماه فعلي بين شيئين مختلفين ) فالعلاقة بين الشيء والمنطوق تعني استحضار الشيء  إلى الذهن أي ان المنطوق يقول شيئا عن المستحضر ويعبر عنه كما هو ،فهو حقيقي.بحيث ان المنطوق  كلما استجاب للتعبير عن الموجود كما هو نقول انه مطابق له اي حقيقي.

فالحقيقة هي انكشاف ولا تحجب وحرية أي ترك الموجود يكون ما يكونه وتركه يكشف عن نفسه دون إكراه او إلزام حتى يتمكن المنطوق  الإستحضاري ان يقيس نفسه عليه.فالحقيقة محجبة وتتطلب إماطة اللثام عنها، فالحقيقة إذن هي انكشاف كينونة الكائن

إلا أن محاولة إماطة اللثام عن الحقيقة والبحث عنها معرضة دوما  للتيه  فالتيه هو مضاد لماهية الحقيقة ، والتيه هو أساس الخطأ والغلط،. فاللاحقيقة تقيم داخل الحقيقة ،ولا يمكن تحديد ماهية الحقيقة( الانكشاف) إلا إذا أخدنا بعين الاعتبار اللا حقيقة والتيه ( الانغلاق) فإنصراف الإنسان إلى ما هو شائع ورائج وما هو سطحي يجعله يبتعد عن السر و عن انكشاف الحقيقة ويتيه عنها.

2-   الحقيقة والعنف ايريك فايل:

يقدم ايريك فايل تصورا مخالفا فالوجه الآخر المقابل للحقيقة ليس هو الخطأ والوهم بل هو العنف.فضد الحقيقية يكمن في رفض الخطاب المتماسك والمنطقي ، والإنتقال الى الفعل السالب واللغة المفككة، فالحقيقة بالمعنى الفلسفي لا تعني مطابقة الفكر للواقع ، ولكن مطابقة الإنسان مع الفكر،أي مع الخطاب المتماسك والعقلي، إن العالم الذي نعيش فيه هو عالم  مليء بالعنف والشقاء والجوع والتنكيل والموت العنيف، هذا العالم  يجب أن يكون موضوع تفكير عقلاني ، وبالتالي  ان نحاول فهمه تبعا للمعنى الحقيقي الذي يملكه لأن الوجود ينكشف فقط في الخطاب، وبواسطة الخطاب  والمعنى المعقول . لذا فقيمة الحقيقة تكمن في إنشاء خطاب عقلاني متماسك، يلغي العنف لصالح المعنى.، وبهذا وحده يمكن وضع حدا للعنف والخطاب الغير المتماسك.

3-     تصور كانط

   اعتبر كانط أن لحقيقة قيمة أخلاقية عليا ومطلقة وغير مشروطة ومرتبطة بالواجب المطلق. وهي بذلك تنشد لذاتها كحقيقة موضوعية نزيهة وبعيدة عن المنفعة والمصلحة الخاصة. فالصدق واجب في ذاته، ويجب على الإنسان أن يقول الحقيقة ويسلكها مهما كانت الظروف والشروط ( ولا يجوز الكذب حتى لو كان الأمر يتعلق بإنقاد حياة بريء من يد مجرمي) لأن الكذب مضر بالغير دائما، حتى إن لم يضر إنسانا بعينه فهو يضر الإنسانية قاطبة، مادام انه يجرد منبع الحق من الصفة الشرعية  لأن الكذب ولو لمرة واحدة  سيؤدي الى اهتزاز جميع الحقوق المؤسسة على العقود والتصريحات والأقوال.                              

4-     تصور وليام جيمس: W.James     

تكمن قيمة الحقيقة حسب الموقف البرجماتي المعاصر الذي يمثله وليام جيمس في كل ما هو نفعي، عملي ومفيد في تغيير الواقع والفكر معا. فامتلاكنا للحقيقة يعن امتلاك اذوات ثمينة  للعمل ومطابقة ، الحقيقة للواقع يعني ان تلك   الحقيقة تفيدنا وتساعدنا عمليا وفكريا في معالجة ذلك الواقع بحيث يلائمنا ويناسب حياتنا . من هنا فالحقيقة ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة لإشباع حاجات حيوية أخرى. والأفكار الحقيقية هي تلك التي نستطيع أن نستعملها وأن نتحقق منها واقعيا، أما الأفكار التي لا نستطيع أن نستعملها وأن نتأكد من صلاحيتها فهي خاطئة. وعموما، يرى وليام جيمس، أن الأفكار الصادقة هي تلك التي تزيد من سلطاننا على الأشياء؛ فنحن نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود كما نخترع الأجهزة الصناعية للاستفادة من قوى الطبيعة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                مجزوءة المعرفة    

مفهوم النظرية والتجربة    من إنجاز الاستاذ يج  عمر

                     تقديم :

                 النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

(يهدف هذا الموضوع إلى مقاربة مفهوم النظرية والتجريب مقاربة تزاوج بين انجاز  الجانب المعرفي بإيصال المعارف اللازمة إلى التلميذ وبين تطوير مهارة التعبير والكتابة الفلسفية  من  خلال نموذج السؤال المفتوح( وهذا مايتيح  ،على الأقل جزئيا، تجاوز عائق الزمن الناتج عن عدم ملاءمة الحصص الزمنية المبرمجة مع طول المقرر ضمن حصة تطبيقية (تم فيها تقديم توجيهات وتصميم أولي  للموضوع المقترح للتلاميذ) وذلك على الشكل التالي :

ينطلق السؤال المفتوح من نص كلود برنار ويقوم بدمج المحور الأول والثاني من المفهوم في تصميم الموضوع:

إلى أي حد يمكن اعتبار التجريب العلمي إنصات للطبيعة وتصوير فوتوغرافي للواقع؟

 ( إن الهدف المزدوج من هذا الدرس من الصعوبة بمكان فهذه الورقة وإن حافظت نسبيا على مراحل الكتابة الإنشائية- خاصة في العمل داخل القسم- إلا أن محاولة جعل هذه الأوراق كدعامة للدرس جعل من الضروري التركيز أيضا على توصيل المعرفة بشكل قد يتجاوز توظيفها في إطار سؤال خاص ومحدد، وهذا ما جعل هذه الأوراق تبدو على الشكل الذي هي عليه)

                           المحور الأول: التجربة والتجريب:

ألأطروحة المتضمنة في السؤال هي أطروحة كلود برنار والتي تقول بان العالم يجب أن يجمع بين الملاحظة الأمينة التي تتولد عنها الفكرة القابلة للاختبار، والتجربة التي تفحص (الفرضية) أو الفكرة وتخضعها للتجريب للتأكد من صحتها،وذلك وفق خطوات منهجية ضرورية تشكل منهج التجريب العلمي.

البناء الحجاجي للأطروحة:

المنهج العلمي أو التجريب العلمي يقوم على خطوتين أساسيتين وضروريتين هما الملاحظة العلمية التي تنشا عنها الفكرة أو الفرضية التفسيرية للظاهرة الملاحظة ثم التجربة التي يقوم العالم من خلالها بالتأكد من مدى مطابقة فرضيته للواقع،باعتبارها وقائع صحيحة ومنتظمة( تؤدي إلى قانون يفسر الظاهرة ويتيح التنبؤ). وهذا يعني أن العالم يكون في نفس الوقت ملاحظا ومجربا.

والملاحظة التي يقوم بها العالم يجب أن تكون دقيقة مما يفرض عليه استخدام كل الأدوات التي تتيح ملاحظة شمولية للظاهرة المدروسة. ويشترط فيها أن تكون ملاحظة أمينة للواقع لا يسمح فيها للعالم بالتدخل أي عليه مواجهة الواقع دون أفكار مسبقة( دون أي نظرية سابقة على الملاحظة)إذ عليه الإنصات لإملاءات الطبيعة والتصوير الفوتوغرافي لها. أما الفكرة أو الفرضية( النظرية) فهي من إيحاء الملاحظة وناتجة عنها أي أن العقل يتدخل هنا فقط للتفسير والقيام بالاستدلال الذي يوحي به الواقع. وهذه الفكرة أو الفرضية يجب أن تكون قابلة للاختبار ،وعلى العالم أن يخضعها للتجربة للتأكد من صحتها أو استبدالها بفرضية أخرىأكثر ملائمة للواقع، وهذه التجربة يجب أن تكرر في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير حتى يتم الوثوق فيها( ومع ذلك لا يمكن اعتبارها حقيقة نهائية ومطلقة). هكذا يمكن القول –حسب كلود برنار – أن المنهج العلمي يتمثل في أربع خطوات هي:

1-    الملاحظة الدقيقة والأمينة للواقع.

2-    الفرضية  التفسيرية  الناتجة عن المعاينة للواقع.

3-    التجربة التي خطط لها العالم فكريا والتي يتم انجازها في المختبر بطريقة متكررة في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير.

4-     ملاحظة الظواهر الجديدة التي تنتج عن ذلك والتي يجب تقديم فرضيات جديدة وهكذا دواليك.

     هكذا يجعل كلود برنار من الملاحظة بداية المنهج العلمي ونهايته.

    إن هذا التصور- الذي يقوم على النزعة الاستقرائية - وإن يشير إلى ضرورة الجمع بين النظرية والتجربة إلا انه يركز على كون النظرية ليست إلا نتاجا للملاحظة ، وليست سابقة عنها ،فالعالم يجب عليه مواجهة الواقع دون أفكار سابقة ، ومهمة النظرية أو الاستدلال العقلي هنا فقط تقديم تفسير للوقائع الملاحظة ، مما يجعل العقل فقط يسجل ويستجيب لإملاءات الطبيعة وهذا هو التصور التجريبي الكلاسيكي ( المذهب التجريبي الكلاسيكي يعتبر العقل صفحة بيضاء تملؤها أو تكتب عليها معطيات التجربة).

-       المناقشة:

ولكن ألا يعني الفول بان العالم ينصت إلى الطبيعة  ويلتزم الصمت و يقوم بالنقل الأمين والتصوير الفوتوغرافي للطبيعة تهميشا لدور العقل وللنظرية؟وبالتالي فالعقل ليس  إلا  متلق يسجل إملاءات الطبيعة؟ وهل هذا التصور ينطبق فعلا على المنهج التجريبي؟ أليس للعقل وللنظرية دورا أكبر مما ينسبه إليه كلود برنار؟

كانط : العقل يحتل الصدارة في المنهج العلمي: 

يبدو تصور برنار لدور النظرية والعقل في المنهج التجريبي ، تصورا كلاسيكيا (هذا التصور أصبح اليوم متجاوزا ). فكانط( الذي عاش قبل كلود برنار ببضع سنوات) مثلا لا يتفق مع هذا التصور ، لأن العقل في عملية المعرفة العلمية ليس منفعلا ولا متلقيا بطريقة سلبية كما وصفه برنار بل على العكس من ذلك فهو الذي يحتل الصدارة في عملية المعرفة العلمية وهذا ما يتبين من خلال قولة كانط في إطار حديثه عن العلماء ، حيث يقول أن العلماء: " فهموا أن العقل لا يرى إلا ما ينتجه هو وفق خططه الخاصة ، وان عليه أن يتقدم بالمبادئ التي تحدد أحكامه وفق قوانين ثابتة. وان عليه أيضا أن يرغم الطبيعة على الجواب عن أسئلته، وان لا يترك نفسه ينقاد بحبال الطبيعة وحدها…" فالعقل هنا ليس متلق ( كما قال برنار)  ولا ينصت كما ينصت التلميذ إلى المعلم بل يستجوب الطبيعة كما يستجوب القاضي الشهود…

الخيال والتجريب : روني طوم : 

ويقدم روني طوم تصورا معاصرا يتجاوز التصور الذي قدمه برنار( وكذلك كانط)  هذا التصور المعاصر للمنهج التجريبي يعطي أهمية متعاظمة للنظرية وللعقل هكذا يتحدث طوم عن التجربة العقلية الخيالية التي تكمل ماهو واقعي منتقدا بذلك التصور الكلاسيكي الذي لم يعد يعكس واقع التجربة العلمية التي لابد فيها من إكمال الواقعي بالخيالي ، هذه العملية الذهنية التي لايمكن لأي آلة تعويضها .

فالواقعة التجريبية في تصور روني طوم لكي تكون علمية لابد  أن يتضافر فيها شرطين أساسيين هما قابلية التجربة العلمية للتكرار وإعادة صنعها في  أزمنة وأمكنة مختلفة ، وان تستجيب لتطبيقات عملية تلبي حاجات إنسانية من جهة واهتمامات نظرية أي دخولها ضمن إشكالية علمية قائمة من جهة  أخرى. فالهدف من التجريب العلمي هو التحقق من الفرضية التي هي نظرية تتضمن إلى جانب ماهو واقعي ماهو خيالي ( على سبيل المثال إضافة مفهوم السببية كما أن هذا التصور يستمد شرعيته من الفيزياء المعاصرة الكوانتية والتي تعالج العالم الميكروسكوبي الذي لا يمكن ملاحظته بشكل مباشربل فقط من خلال بعض الآثار الناتجة عن حركات مكونات الذرة مما يستوجب تدخل التجربة الخيالية التي يلعب فيها العقل دورا كبيرا) وهذا ما يتيح ملأ الفراغ والنقص الناتج عن عجز الملاحظة وبالتالي اكتمال البناء النظري وإضفاء طابعا شموليا عليه ، ويمكن العقل من استباق تفاعلات الواقع والتعبير عنها بشكل رياضي، لهذا يرى روني طوم أن هذه القفزة الخيالية لايمكن لأي آلة أن تعوض فيها العقل. من هنا تبرز الأهمية الكبرى للعقل وللخيال إذ يشكلان عملية لايمكن الاستغناء عنها رغم انفلاتها من كل رتابة وعن كل منهج.

هكذا يتبين لنا أن دور العقل والنظرية في المنهج العلمي اكبر بكثير مما تصوره المنهج الكلاسيكي كما عبر عنه كلود برنار ، إذ انتقل من دور المتلقي والمنفعل إلى دور الفاعل والمبدع وهذا الدور الإبداعي هو ما سيوضحه بشكل أكبر أينشتاين.

                                        المحور الثاني: العقلانية العلمية 

1- العقلانية المبدعة :ألبرت انشتاين

يتجاوز تصور اينشتاين للمنهج العلمي التجريبي التصورات السابقة إذ يعطي للنظرية والعقل الرياضي أهمية قصوى هذا العقل الذي بإمكانه تصور دينامية الظواهر الطبيعية دونما حاجة للمعاينة والتجربة المباشرة عليها هكذا يؤكد في أطروحته أن المفاهيم والبناء النظري للعلم خاصة في الفيزياء النظرية هي أساسا إبداعات عقلية حرة للعقل الرياضي ، وان هذه البناءات الرياضية الخالصة تسمح بفهم الظواهر الطبيعية دونما حاجة للملاحظة العينية.

  وبذلك تحتل البناءات النظرية العقلية الصدارة في الفيزياء المعاصرة ، حيث تتشكل الأنساق الكاملة للفيزياء النظرية من أفكار وقوانين أساسية تربط بين تلك الأفكار والقضايا التي تستنتج منها بواسطة الاستنباط المنطقي ، وتلك النتائج هي التي يجب أن ترتبط بالتجارب الفردية والخاصة.)يري اينشتاين أن

المفاهيم العلمية إبداعات حرة للفكر البشري، يحاول بواسطتها أن يكون لنفسه صورة اقرب ما تكون من حقيقة هذا الواقع نفسه، هذه الحقيقة التي يقترب منها العلم دون أن يتمكن من الإمساك بها كما هي. مثل الرجل الذي يحاول أن يفهم آلية اشتغال ساعته دون أن يملك القدرة على فتحها حيث يستطيع تخيل وتكوين صورة عن تركيبها الداخلي ولكنه لن يكون على يقين بان الصورة التي كونها تطابق حقيقة الجهاز. فليس العلم ادن مجموعة من القوانين ولا قائمة من الأحداث الغير المترابطة ببعضها البعض ،انه ابتكار للفكر البشري شيده بواسطة أفكار ومفاهيم ابتدعها العقل الرياضي بكل حرية فالنظريات الفيزيائية تحاول صياغة صورة عن الواقع وربط هذه الصورة بعالم الانطباعات الحسية (التجريبي)

فالعقل هو الذي يعطي للنسق الفيزيائي بنيته أما التجربة فعليها أن تطابق القضايا الناتجة عن النظرية.  فالنسق الفيزيائي الذي هو إبداع عقلي حر يستمد قيمته من إمكانية التطابق بين المعطيات التجريبية والقضايا الناتجة عن النظرية أو النسق النظري..

وبذلك ينتهي اينشتاين إلى القول [انه متيقن تماما أن البناء الرياضي يمكننا من اكتشاف القوانين التي تسمح بفهم الظواهر الطبيعية ، وان التجربة يمكن أن تلعب دور الموجه في اختيار المفاهيم الرياضية التي يمكن توظيفها ، وبالتالي فالمبدأ الخلاق والفعال لا يوجد في التجربة ولكن في العقل الرياضي . وهذا التصور الذي يقدمه اينشتاين يستمد مشروعيته في كون كثيرا من الوقائع الطبيعية التي يعالجها العلم غير قابلة للملاحظة والتجربة المباشرة كما يلاحظ في الفيزياء الكوانتية ( العالم الميكروسكوبي الذرات وجزيئاتها مثلا) وكذلك في العالم الماكروسكوبي (الظواهر الكونية البعيدة في علم الفلك   مثلا ).

2\  العقلانية التطبيقيةاو حوار العقل والتجربة : باشلار

يتبن لنا من خلال المناقشة السابقة أن التصورات التي ناقشت النظريات والمنهاج التجريبي العلمي هو انعكاس وتطوير للنقاش الفلسفي الكلاسيكي بين المذهب التجريبي الذي كان يرى أن العقل صفحة بيضاء تملؤها معطيات التجربة مما يجعل من التجربة المصدر الوحيد للمعرفة وبين المذهب العقلاني الذي كان يرى أن العقل حائز على مبادئ فطرية أو قبلية تمكنه من بلوغ جميع المعرف دونما حاجة إلى التجربة هذين المذهبين الذين انتقدهما كانط مبينا قصورهما في انفصالهما وتطرفهما ، ومبينا ضرورة الجمع بينهما، فالعقل وحده بمبادئه القبلية سيدور في فراغ ولن ينتج معارف يقينية بل قد ينتج نقائض أما التجربة وحدها فلن تقدم إلا معطيات مبعثرة لا ناظم ولا معنى لها من هنا ضرورة الجمع بين العقل والتجربة ( مع إعطاء الصدارة للعقل كما تبين لنا من خلال المناقشة السابقة).

هذا الصراع الذي انتقل من مجال الفلسفة إلى العلم هو ما يحاول باشلار حله من خلال تصوره للعقلانية التطبيقية( أو العقلانية العلمية ،أو الفلسفة المفتوحة.)

يرى باشلار أن الحركة المزدوجة  التي تغدي الفكر العلمي تتراوح بين ما هو قبلي (عقلاني) و ماهو بعدي(التجريبي). حيث ترتبط النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية وتعزز كل منهما الأخرى وتبررها "النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل ،والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق.فبدون قوانين واضحة واستنتاجيه ، مترابطة ومنسجمة ، لا يمكن أن تكون النزعة التجريبية موضوعا للتفكير ولا مادة للتعليم ، وبدون براهين ملموسة ، وبدون التطبيق على الواقع المباشر لايمكن للنزعة العقلانية أن تتوفر على قوة للإقناع التام ، فالقانون التجريبي لا تتأكد قيمته إلا من خلال الاستدلال ، والاستدلال نفسه لاتتاكد مشروعيته إلا عندما يصبح أساسا للتجربة."

فالعلم إذن يقوم على الحوار بين البراهين النظرية (العقل) وبين التجريب والقوانين التجريبية(التجريب) ولا يجب النظر إليهما على أساس أنهما يكونان ثنائية أو قطبين منفصلين بل على أساس كونهما يتكاملان  أي يكمل منها الآخر ويسير به إلى منتهاه .

فان يفكر الإنسان تفكيرا علميا معناه أن يضع نفسه في الحقل الابستمولوجي الذي يقوم كوسيط بين النظرية والتطبيق بين الرياضيات والتجربة .

من هنا يستخلص باشلار أن العلوم الفيزيائية لا يمكن أن تتأسس كعلم إلا من خلال الحوار الجدلي بين العقل والتجربة فالواقع لابد أن يخضع للعقل ،والحجج العقلية لابد ا أن تكون من صميم لحظات التجربة." لا توجد عقلانية فارغة كما لا توجد اختبارية عمياء"وهذا يعني أن العقل العارف مشروط بموضوع معرفته.

(إلا أن باشلار يرى ضرورة تفضيل احد هذين القطبين على الآخر لأن الحركة الابستمولوجية للعلم هي ذات طابع عقلاني من هنا الاسم الذي أطلقه عليها عقلانية تطبيقية أو مطبقة ، فالعلم المعاصر  هو بناء عقلاني، يبعد من الأدوات التي يشيد بها صرحه كل صبغة لاعقلانية ويجنب الظاهرة المشيدة كل انحراف لا عقلي ،إلا أن هذه العقلانية ترى ضرورة التطبيق لأنها تعمل من خلال التطبيق على تجاوز مبادئها تجاوزا دياليكتيكيا وهذا ما يجعلها فلسفة مفتوحة ).

نستخلص من هذا التصور أن العقل والتجربة (القبلي والبعدي) متكاملان ويوجدان في حوار دائم(في علاقة جدلية) فالعقل يدرك التجارب من خلال ما لديه من مقولات وهذه المقولات ليست ثابتة ونهائية لأنها تتأثر وتتطور بفعل التجربة.

                                           المحور الثالث : معايير النظريات العلمية .

من خلال المناقشة السابقة حول اختلاف الآراء حول طبيعة المنهج التجريبي خاصة بين التصور الكلاسيكي والمعاصر ودور العقل والنظريات فيه، يبرز إشكال معيار علمية نظرية من النظريات وما الذي يمنحها صلاحية النظريات العلمية؟

معيار تعدد الاختبارات  بيير تويليي:

إذا كانت النظرية الفيزيائية كما حددها بيير دوهيم في قوله :"إن النظرية الفيزيائية ليست إلا نسقا من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ غايتها أن تمثل ـ بصورة صحيحة ـ مجموعة من القوانين التجريبية" فان هذا يعني أن  ما يضفي على نظرية ما  طابعها العلمي هو التماسك  والانسجام المنطقي بين مكوناتها والذي تستمده من إخضاع فروضها لاختبارات متعددة تربط فروض نظرية ما بفروض أخرى ،مما يجعل من تعدد الاختبارات إغناء للنظرية العلمية.

وينتقد بيير تويليي التصور الكلاسيكي القائل أن علمية نظرية ما تكمن في استنباط نتائج قابلة للتحقق التجريبي ، واصفا إياه بتصور اختزالي لا يكشف عن حقيقة النظرية العلمية،لأنه من اجل التحقق التجريبي لهذه النظرية لابد من إضافة فروض جديدة تتجاوز هذه النظري  ولا تنتمي إلى المسلمات الأصلية  التي انطلقت منها تلك النظرية( وهذا ما يضعها في مجازفة خطيرة) إلا أنها يجب أن تكون منسجمة معها وهذه الفروض هي التي تغني هذه النظرية وتنقدها من عزلنها التجريبية.

من هنا يمكن القول أنه:

1-    لا وجود لنظرية تمنح لنفسها وحدها نتائج تجريبية ملموسة.

2-    لا تتم أي تجربة علمية بدون مساعدة تجربة أخرى.

وبالتالي فان ما يمنح للنظريات العلمية قيمة متزايدة هو تنوع وتعدد الاختبارات التجريبية والمقارنة بينها ، إلا أن اختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة ،أو بين نظريات متعددة هو الذي يحتل الصدارة في التكوين الفعلي للنظريات العلمية.

2- معيار القابلية للتكذيب والتزييف:

أما كارل بوبر فيرى أن معيار علمية  نظرية ما هو قابلية منطوقها للتفنيد والتكذيب، أي قدرة العالم على وضع صياغة دقيقة للنظرية العلمية وتحديد الشروط والنتائج المحتملة التي يمكن أن تفند تلك النظرية وتكذبها . وبالتالي فإذا كان منطوق هذه النظرية غير قابل للتكذيب فلا يمكن اعتبارها نظرية علمية – حتى وان لم تكن كاذبة أو فارغة من المعنى بل وحتى لو كانت صحيحة - فعدم قابليتها للتكذيب   يجعلها خارج المجال العلمي.

هكذا يشكل معيار القابلية للتكذيب أو القابلية للاختبار أساس النظريات العلمية لتبين خطئها وإبراز العيب فيها وكل نظرية غير قابلة لمثل هذا الاختبار ليس علمية.

وآنذاك يمكن القول أن هذه النظرية – القابلة للتكذيب والاختبار – نظرية علمية ملائمة ، ولا يمكن الجزم بكونها صادقة بشكل مطلق ، ما دمنا لم نجد ما يكذبها  رغم تعدد الاختبارات وتنوعها وبالتالي عدم أيجاد ما يكذبها أو يفندها.

                                                                 الأستاذ يجَ عمر

                                      

                                           مفهوم العلوم الإنسانية  انجاز يج عمر

التأطير الإشكالي للمفهوم:

إشتهر الإنسان مند بداياته الأولى بفضوله ، ومحاولة التعرف على كل ما يحيط به من اشياء ، فمعرفة  خصائص الأشياء كانت  سبيله لتوظيف هذه الأشياء لتحقيق حاجياته ورغباته ، ولإرضاء رغبته في التحكم في الطبيعة ، هذه الرغبة التي ستظهر بشكل جلي مع تطور معرفته، ففي البداية كان  هدف الإنسان الإنسجام مع الطبيعة والعمل على استرضائها واتقاء شرها ولكن  مع اكتشافه للقوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية أعلن رغبته في السيطرة على الطبيعة وإخضاعها لرغبته ، ولكن فضوله لم يتوقف عند هذا الحد فمعرفته المتزايدة بالطبيعة والعالم الخارجي ، دفعته الى التفكير في معرفة  الإنسان ذاته ، وإخضاعه للدراسة العلمية مثلما اخضع الظواهر الطبيعية لهذه الدراسة .

 ولقد إكتشف الإنسان أن معرفته لم تتطور إلا لما أخضعها لمنهج دقيق يقوم على خطوات محددة ، وعلى مناهج تعتمد التجربة والحسابات الرياضية الدقيقة لادخل فيها لأرائه الشخصية ورغباته أي لذاتيته اي ان المعرفة العلمية هي تلك المعرفة التي تقتضي خروج الإنسان من ذاته  في اتجاه الموضوعات التي يدرسها . ولكن كيف يمكنه الخروج من ذاته إذا كان بالضبط يريد دراسة ذاته. عن هذه العلاقة المتوترة بين الذات والموضوع هو ما أكتشفه الإنسان عندما حاول إنشاء علوم إنسانية . فإذا كان النجاح الباهر الذي حققه الإنسان في العلوم الطبيعية نابع من قدرته على التجرد من ذاتيته ودراسة هذه العلوم بموضوعية بوصفها اشياء خارجية ، فكيف يمكنه ان يدرس سلوكاته وأفكاره، وقيمه ومعتقداته  وغيرها ويصدر حولها أحكاما موضوعية ويتجرد من كل ذاتية ومن تاثير تلك القيم التي تشبع بها منذ نشاته؟

من هنا وجد الإنسان نفسه امام إشكال قيام علوم إنسانية: فهل بإمكان المناهج التي إختبرها في العلوم الطبيعية ان تسعفه في دراسة ذاته ومجتمعه؟ وهل بإمكانه ان يخضع نفسه ومجتمعة لتلك المناهج التجريبية التي اخضع لها الظواهر والكائنات الطبيعية الأخرى؟  وهل تسمح له كرامته بذلك؟وهل يمكن ان يخرج من ذاته ويدرسها كما يدرس ظواهر خارجية عنه؟ هل يمكنه ان يقدم تفسيرا موضوعبا لكل تصرفاته وقيمه التي يؤمن بها ايمان عميقا؟ ام انه يجب ان يجد منهجا جديدا يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ويحفظ للإنسان كرامته ؟ وفي هذه الحالة هل ستكون هذه المناهج فعالة  مثل مناهج العلوم الطبيعية؟

                                   المحور الأول موضعة الظاهرة الإنسانية:

1-     عوائق موضعة الظاهرة الإنسانية جان  بياجي:

يرى جون بياجي:  انه من الصعب  قيام دراسة موضوعية للإنسان وبالتالي نشوء علوم إنسانية على غرار العلوم الحقة،وذلك لأن الإنسان يكون في نفس الوقت ذاتا وموضوعا للدراسة  وهذا ما يجعل قيم الإنسان ومواقفه الإيديولوجية تتدخل بشكل كبير في هذه العلوم.

  ويبين أن ظهور العلوم الإنسانية المتأخر مقارنة  بالعلوم الأخرى، خاصة  إذا ما أخدنا مثال الفيزياء التي تأخرت عدة قرون مقارنة مع الرياضيات ، يدفع إلى اعتبار الوضعية التي توجد عليها  العلوم الإنسانية أمرا طبيعيا  وبداية متواضعة، ويجعل الآمال المعقودة على تطورها وتحقيق إنجازات علمية في مجالها  مشروعة وقائمة.

إلا أن الوضعية الابستمولوجية للعلوم الإنسانية -- مقارنة مع العلوم التجريبية— حيث تتداخل الذات الدارسة مع موضوع الدراسة يجعل  من الصعوبة بمكان القيام بدراسة موضوعية لتدخل الأحكام الذاتية وقيم الدارس، وذلك لكونه منخرطا وملتزما بهذه القيم ، فالإنسان في هذه العلوم هو في نفس الوقت الدارس (الذات)والمدروس (الموضوع) وهذا ما يجعله يحتكم إلى حدسه ويجعل دراسته تبتعد عن الموضوعية اللازمة لكل دراسة علمية.

فالتزام الباحث وانخراطه في الحياة التي هي موضوع دراسته يجعل قيام علوم موضوعية أكثر صعوبة  بل ان دراسته لهذه الظواهر قد تؤثر على هذه الظواهر وتغير من طبيعتها على العكس من العلوم الطبيعية حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع.

2-    فرنسوا باستيان:

الأطروحة : عن العلوم الإنسانية  علوم تقوم على مفارقة اساسية والتي تتمثل في علاقة الذات بالموضوع فالعلم الإجتماعي هو في نفس الوقت الذات الدارسة والموضوع المدروس ، وبالتلي فهذا الدارس لايمكن ان يتخلى عن ذاتيته وقيمه التي تشبع بها وان ينظر اليها كاشياء خارجية ،هذا التخلي عن الذاتية هو شرط كل بناء علمي حقيقي ،لايمكن للعالم الإجتماعي ان يحققه حتى لو رغب فيذلك.

  يرى فرنسوا باستيان  ان العلوم الإنسانية (الاجتماعية )  تقوم على  مفارقة فكونها علوم يفترض فيها انفصال الذات وحيادها إزاء موضوع الدراسة   ( أي قيام دراسة موضوعية ) إلا إن الإنسان في هذه العلوم هو الذات والموضوع في نفس الوقت ، من هنا صعوبة قيام دراسة موضوعية ( والتي هي شرط لكل علمية) ما دام الدارس الذي هو عضو منخرط في جماعة معينة وملتزم ايديويوجيا ويحمل قيما أخلاقية معينة مما يجعل من غير الممكن دراسة الوقائع الاجتماعية بحياد أو موضوعية ( سواء كان الأمر يتعلق بدراسته لجماعته او لجماعة اخرى تملك قيما مخالفة للتي يؤمن بها).

 ولقد وظف النص آلية  الاستشهاد بقولة نوربرت الياس الذي  يرى انه عكس العلوم التجريبية التي لا يحتاج الباحث لتفسير الظواهر الطبيعية  فيها  إلى الالتحام معها وتخيل نفسه كجزء منها ، فإنه لفهم  الظواهر الإنسانية ونمط اشتغالها لابد من الانخراط والمشاركة الفعالة في تلك الظواهر.

وهذا التأكيد يتنافى مع ما حاول مؤسسوا العلوم الإنسانية ( الاجتماعية)  نفيه  لكونه يتعارض مع قيام علوم إنسانية موضوعية شبيهة بالعلوم الحقة وهذا ما أشار اليه دوركايم  حينما أعتبر الوقائع الاجتماعية أشياء  وماكس فيبر الذي دعا إلى ضرورة التزام الموضوعية والحياد القيمي  الذي يقوم على التمييز بين الأحكام الواقعية و الموضوعية (أحكام كونية علمية) والأحكام القيمية (النسبية) التي يجب الإبتعاد عنها.

                   المحور الثاني:  التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

1-      الظاهرة الإنسانية بين التفسير والتنبؤ كلود ليفي ستروس:

الإشكال المطروح:

هل الظواهر الإنسانية قابلة للتفسير- مثلها مثل الظواهر الطبيعية – أو أنها تقبل فقط الفهم ، أم أن عليها أن تجمع بينهما؟

يقول غاستون غرانجي " التفسير هو كشف العلاقات  الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع. واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنتج عنها. إنه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة  معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تشكل ترسيمة  أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة..." عكس الظواهر الإنسانية  التي تقوم على الفهم حيث تهدف نقل-  بصورة حدسية-  إحساسا أو تقديرا  أو انفعالا ما... إلا أن هذا الفهم له حدود لا يجب تجاوزها وإلا أصبح نوعا من الأساطير أو السحر..

يقول دلتاي:" نطلق الفهم على السيرورة التي نعرف من خلالها ما هو باطني اعتمادا على علامات ندركها من الخارج بواسطة حواسنا..."

يقول جيل مونرو  "فالخاصية المميزة للفهم هي البداهة  والوضوح . وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح بحيث يكون كافيا ومكتفيا بذاته...

بخلاف العلاقات القابلة للفهم فإن العلاقات التفسيرية هي علاقات ... تقوم على الاعتقاد بصحة جملة من الطرائق  والإجراءات الموضوعية  فالفهم هو بداهة مباشرة ، في حين  أن التفسير هو تبرير أو تعليل حدوث ظاهرة بافتراض ظاهرة أخرى"

أطروحة ستروس:

تقدم العلوم الطبيعية يرجع في جزء كبير منه إلى الجمع بين التفسير والتنبؤ، بينما تبقى محاولة العلوم الإنسانية الجمع بينها تسير في اتجاه سيء مما تجعلها تبقى في منتصف الطريق بين الفهم  حيث لا تقدم في الغالب إلا تفسيرات فضفاضة، بينما لا يحالف النجاح تنبؤاتها في كثير من الأحيان ولكنهذا لايعني عدم جدوى هذه العلوم  بل هذا يكشف عن موقف أصيل فيها يجمع بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة  .

حجاج النص:
           يبين النص انه رغم عدم وجود علاقة ميكانيكية بين التفسير  والتنبؤ داخل  العلوم الدقيقة ، إذ نلاحظ أن العلوم الطبيعية بإمكانها أن تقدم تفسيرات لظواهر لا تقدر على  التنبؤ بها أو العكس التنبؤ بظواهر لا تستطيع تفسيرها ، فإن  الجمع بينهما  شكل احد أهم الأسباب في نجاح وتقدم هذه العلوم .وبالتالي فإن هاتين العمليتين ( التفسير والتبؤ) تكونان موضوعا للتجريب والتصحيح بشكل مستمر.

ولكن  الوضعية الابستمولوجية  للعلوم الإنسانية ومحاولتها  الجمع بين هاتين العمليتين جعلها في وضعية صعبة وتسير في اتجاه سيء، إذ لم تستطيع تقديم تفسيرات  دقيقة بل فقط  فضفاضة للظواهر المدروسة ولا تنبؤات دقيقة وصحيحة بل في الغالب خاطئة ،وهذا ما جعلها تقف  في وسط الطريق بين التنبؤ والتفسير. إلا أن قيمتها النظرية و النفع العملي لها   يكمن بالضبط في مدى قدرتها على الموازنة  بين التفسير والتنبؤ ، وذلك بطريقة أصيلة تتلاءم مع خصوصيتها مما يجعل المعارف التي تقدمها تكتسي طابعا معرفيا خالصا من جهة وطابعا  نفعيا عمليا من جهة أخرى وهذا يتطلب عدم الفصل بين التفسير والفهم.

2-    الإنسان يفهم  دلتاي :

الأطروحة : على العلوم الإنسانية( العلوم الروحية) ان تتخد منهجا يتلاءم مع الظواهر المدروسة وهذا من حقها ، فكما إتخدت العلوم الطبيعية منهجا خاصا بها   هو المنهج التفسيري الذي يتلاءم مع الظواهر الطبيعية ، فعلى العلوم الروحية ان تكيف منهجها مع الظواهر التي تدرسها والتي تحتاج الى منهج يقوم على الفهم.

   فعلى العلوم الإنسانية عكس ما يدعيه أصحاب المنهج الوضعي الابتعاد عن المنهج التفسيري  أو التجريبي الذي تتخذه  العلوم الطبيعية، وتبني منهجا خاصا يتلاءم مع  خصوصية موضوعها ( الظواهر الإنسانية) . لأن إتباع واتخاذ منهج العلوم الطبيعية لا يشكل معيارا للعلمية بل ،إن هذا المعيار يجب أن يكون هو التشبه بالعلماء الطبيعيين الذين بنوا منهجا خاصا  يتلاءم مع الموضوعات والظواهر التي يدرسونها. أي أن تبني العلوم الإنسانية( الروحية) منهجا يتلاءم مع الظواهر الإنسانية  وهذا ما يشكل معيار علميتها الحقيقي.

فالظواهر الطبيعية تبدو للدارس ظواهر معزولة وخارجية عن الذات ، وبالتالي يتم تفسيرها بواسطة استدلالات عقلية تقوم على الفرضية والتجريب، آما الظواهر الإنسانية  فتقدم نفسها للعقل كظواهر حية وكمجموع كلي ومترابط من المعطيات والوظائف النفسية والعقلية والعناصر المكونة لها،  تدرك بشكل كلي بواسطة التجربة الداخلية أي الوعي  الداخلي (الفهم)وهذا ما يجعلها قابلة للفهم وليس للتفسير مثل الظواهر الطبيعية.

من هنا ضرورة تفرد العلوم الإنسانية بمنهج خاص بها يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ولا يسعى إلى تفسيرها.

 

                                          المحور الثالث : نموذجية العلوم التجريبية:

1-    العلمية المشروطة: فيليب لابورط - طوها وجان- بيير وانيي:

الأطروحة: إن الوضعية الإبستمولوجية التي تجد العلوم الإنسانية نفسها امامها والناتجة عن تعقد موضوعها وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها من جهة ، وتداخل الذات والموضوع من جهة أخرى إضافة الى حداثة عهدها  يجب ان لاتكون عائقا بل يجب ان تعطي نموذجا ومثالا يحتدى وذلك بالإحتياط المنهجي من خلال الوعي بهذه العوائق وتكييف مناهج الدراسة معها.

فإذا كانت حداثة العلوم الإنسانية وتعقد موضوعها وغناه وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها ،عكس ما هو ملاحظ في العلوم الطبيعية فإن المنهج الذي يجب ان يطبق على هذه العلوم يجب ان يتصف بالحذر ، وان يكون اكثر تطورا من مثيله في العلوم الطبيعية التي تعتمد بشكل اساسي على التجربة.

 إن تداخل الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية ،يفترض قدرة الذات ان تحرر من ذاتها وتدرس موضوعها بوصفه شيئا مخالف أي لا-أنا أي فهم الآخر المخالف. فالملاحظ في العلوم  الإنسانية هو طرف( موضوع للدراسة) وحكم ( الذات الدارسة ) في نفس الوقت ، وهذا ما يجعل الإقتداء بالعلوم الطبيعية صعبا ( حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع) ، إلا ان هذه الصعوبة يجب ان لاتكون عائقا  امام  قيام دراسة علمية إنسانية  بل يجب ان تكون  دافعا وهدفا ومثالا ينيغي قصده في كل بحث  ، فإدراك الباحث لهذه الصعوبة يساعده على الأقل جزئيا على الحذر منها والعمل على تجاوزها ووضع مسافة بينه وبين الموضوع ( اللا- انا) .

فإدراك العلوم الإنسانية لهذه الخاصية ،حضور الذات، هو عامل يدفعها لإحتياطات منهجية إضافية، تمكنها من الدراسة العلمية، خاصة إذا علمنا انه حتى في العلوم الطبيعية ليس هناك قطيعة نهائية او تامة بين الذات والموضوع ما دامت الفيزياء المعاصرة  نفسها تأخد بعين الاعتبار عامل تدخل الملاحظ، و بالتالي فهذا فقط يتطلب  تكييف المنهج العلوم الإنسانية مع الموضوع المدروس.

2-      حدود العلم الموضوعي : موريس ميرلوبونتي:

الأطروحة: يرى ميرلوبنتي أن الذات  وتجربتها في العالم المعيش هي أساس كل علم ومعرفة ، فكل علم  مصدره وجهة نظر خاصة بالذات وبالتالي فالحديث عن موضعة الدراسة الإنسانية ،نظرة خادعة  تجعل العالم مستقلا عن الذات في حين انه يوجد من أجل الذات ويتحدد من خلالها.

يبين النص أن كل ما تعرفه الذات عن العالم- ولو كان مصدره العلم- ينطلق من وجهة نظر خاصة بها ومن خلال تجربتها المعيشية وبدون هذه النظرة أو التجربة  لن يكون أي معنى للرموز العلمية. لأن العلم يبنى أساسا  انطلاقا من العالم والتجربة المعيشة . فالعلم ليس إلا تعبيرا  بعديا  عن  العالم المعيش الذي هو سابق عليه ، و الذي يقدم  العلم تفسيرا له.

انطلاقا من ذلك فإن الدراسة الموضوعية ( الخارجية) للإنسان لا تقدم حقيقة هذا الإنسان ولا يمكنها النفاذ إلى ذاته  ، وبالتالي  فلا يمكن للدراسات العلمية سواء للعلوم الطبيعية مثل علم الحيوان او العلوم الإنسانية مثل المورفولوجيا الإجتماعية او علم النفس اوالتاريخ  او غيرها تقديم صورة متفردة وحقيقة للذات  لأن وجودها لا يتحدد من خلال محيطها  المادي أو الاجتماعي ،بل وجود الذات هو الذي يحدد ويدعم هذه المحددات ، فالذات  توجد بشكل متفرد من أجل ذاتها ولا توجد في مكان أحد أخر أو يوجد احد في مكانها –  وهذا ما يستبعد مفهوم الموضوعية التي تركز على ما هو موضوعي ولا شخصي  - إن الذات تمثل ما هو شخصي ومتفرد وما هو خاص تعيش لذاتها ومن أجل ذاتها وتنظر إلى العالم وفق منظورها الخاص.

من هنا فإن  النظر إلى الذات من منظار الموضوعية العلمية وتحويلها الى مجرد لحظة من لحظات العالم وذات مثل الذوات والأشياء الأخرى ، هي وجهة نظر خادعة تقوم على مسلمة وجود عالم موضوعي منفصل عن الذات وتجربتها المعيشة ، في حين ان العالم مرتبط أساسا بالتجربة المعيشة للذات.

                                       

العلوم الانسانية                      نموذج  علم الاجتماع   انجاز يج عمر

                             المحور الاول: موضوع علم الاجتماع:

1- دوركايم موضعية الوقائع الاجتماعية:

يرى دوركيم رورة تحديد موضع علم الاجتماع قبل  البحث عن المنهج الكفيل تطبيقه لدراسة الظواهر الاجتماعية ، وبالتالي تحديد ما المقصود بالواقعة الاجتماعية ، لن كامة اجتماعي كثيرا ما تستعمل بمعنى عمومي جدا حيث تطلق عى جميع الظواهر الانسانية .

فالاكل والنوم والتفكير  وغيرها إذا نظر اليها كواقائع اجتماعية فلن يكون لعلم الاجتماع موضوعا خاصا به وستتداخل معه علوم اخرى مثل البيولوجيا والسيكولوجيا ...

ألا ان هناك ظواهر مختلفة  في كل مجتمع تتميز بخصائص واضحة ، تختلف عن تلك التي تدرسها العلوم الاخرى .فوجود ادوار اجتماعية ،وواجبات ، والتزامات مرتبطة بالقوانين والتشريعات تفرض نفسها على الفرد ، والعادات الاجتماعية ، بوصفها وقائع موضوعية لانها ليست من صنع الفرد نفسه – رغم شعوره الداخلي بواقعيتها – ولكن تلقاها بواسطة التربية من الخارج أي المجتمع.

والدليل على ذلك اننا كثيرا ما نجهل تفاصيل الواجبات التي نحن مطالبين بها فنضطر للاستفسار عنها والبحث عنها في المراجع والكتب المختصة.ونفس الشيء يمكن قوله عن المعتقدات الدينية التي يجدها الفرد مكتملة امامه حتى قبل بروزه الى الوجود. فاللغة وطرق التفكير والتعبير والنظام النقدي والأدوار الاجتماعية والمهنية كلها تشتغل باستقلال تام عن الفرد ، واستخدماته الخاصة لها . هذه الظواهر كلها تلتقي في خاصية اساسية هي انها توجد خارج وعي الفرد وتتصف بالالزام والاكراه ، وتفرض نفسها عليه ، رغم ان الفرد يشعر انه يلتزم بها بطريقة ارادية .

هذا الطابع الخاص والمميز لهذه الظواهر  هو مايميز ويسمح لنا باطلاق الواقعة الاجتماعية عليها . وهذه الواقعة هي موضوع علم الاجتماع ، انها وقائع تتميز بالاكراه الخارجي والاستقلالية عن الفرد، وتفرض عقوبات على من يحاول تجتهلها ، وهي تتميز بالثباتوالإكراه والخارجية ، والعموميةوالاستقلالية عن الظواهر الفردية.

2-  لوسيان غولدمان :صعوبة بناء الموضوع الاجتماعي:

يقوم لوسيان غولدمان بنقد التصور الموضوعي الذي يؤسسه دوركايم مبينا ان دوركايم يتجاهل مدى امكانية تحقيق عالم الاجتماع في الواقع الحياد واللالتزام بالموضوعية، أي مدى امكانية دراسة الوقائع الاجتماعية ك"اشياء" خارجة عن الفرد .

وينطلق في نقده من قولة لدوركايم حدد فيها مفهوم الجريمة بانها كل فعل يعاقب الفرد على فعله ، أي رد فعل المجتمع عندما يقوم الفرد بافعال معينة مبينا ان هذه الجريمة تصبح موضوع علم الجريمة.

هذا التعريف الذي يقدمه دوركايم يحلله غولدمان  مبينا ان تعريف يتصف بالشمولية والعمومية ،بحيث يضم وقاع اجتماعية متنوعة ومختلفة ولارابط بينها ، هكذا يشمل هذا التعريف مثلا طرد المسيح للتجار من المعبد نونشاط الثوريين مثل ماركس ولينين من جهة ومن جهة اخرى سرقة ،او جريمة قتل وقعت.

منهذه الامثلة الواقية يكشف غولدمان ،ان دوركايم يتجاهل احكام القيمة ويعتبرها مجرد بقايا – ستزول قريبا- ترجع الى حداثة علم الاجتماع مقارنة مع الفيزياء والرياضيات ، وعلى العكس من ذلك يبرز النص ان الوضع مختلف تماما في علم الاجتماع والعلوم الانسانية حيث نجد اختلافا جدريا في المواقف فليس هناك اجماع ضمني او صريح حول هذه القيم –بخلاف العلوم الحقة- فمثلا وصف الثوري بالمجرم قد يهذف الى اخفاء حقيقة ذلك الثوري. وبالتالي يستنتج النص ان الدارس في علم الاجتماع غالبا ما يدرس موضوعه ويقاربه انطلاقا من مفاهيم وقيم قبلية لاواعية تسد الطريق امام الفهم الموضوعي للوقائع الانسانية أوالاجتماعية.

                                       المحور الثاني: مسالة المنهج

1- ماكس فيبر: المنهج التفهمي

يرى فيبر ان السلوك الانساني في مظاهره الخارجية أو الداخلية يتميز بترابطات وانتظمات خاصة تجعله يتطلب الفهم والتأويل.

فالسوسيولوجيا التفهمية تتمثل في دراسة السلوك الانساني او الاجتماعي الذي يتميز ب:

1- كونه سلوك يرتبط بسلوك الغير ويتميز بالدلالة والقصدية والذاتية.

2- هذا السلوك يتميز بالتطور ويكون مشروطا بهذه العلاقة الدالة والبينذاتية.

3- ويكون قابلا للتفسير بطريقة تفهمية انطلاقا من الدلالة والقصد الذاتي لفاعله .

ويمكن ايضا اعتبار الظواهر العاطفية  جزءا من الظواهر التي تتضمن معنى ذاتيا في العلاقة مع الغير :فالحالات الشعورية مثل الاحساس بالكرامة والغيرة والتكبر والحسد....لايهمنا فيها الجوانب الفيزيولوجية ولا السيكوفيزيائية بقد ما يهمنا فيها دلالتها القصدية ،وبذلك تكون  السوسيولوجيا –عكس العلوم الحقة –تتاسس على المقاربة التفهمية ، أي دراسة العلاقات الدلالية النموذجية التي يتسم بها السلوك المعبر عن ذه الظواهر في مظاهرها الخارجية.

2- أيان كريب: التحليل والتفسير في النظرية الاجتماعية:

ينطلق النص من ضرور تحديد مفهوم السبب في علم الاجتماع ، اذ لايكفي النظرة في علم الاجتماع ان تقترح ان هذا سبب ذاك ،بل لابد لها من تفسير كيف تقع عملية السببية تلك.

في حالة المجتمع هناك تصور بنيوي لمفهوم السبب،إذ ان السبب لايكمن في حادثة بعينها ،بل يكمن في ترتيب معين للعلاقات ،هذه العلاقات تحدد اطارا وتشكل آلية سببية –مثال زر الاضاءة- تؤدي إذا حركت الى نتائج معينة .ويجب على النظرية ان تحدد وتحلل نوعية الظروف التي تجعل هذه الآلية تعمل ...

الا ان هناك شكلا آخر للتفسير ،هو ذلك التفسير الذي يتناول تفسير افعال الفاعلين الاجتماعيين ، فهذا التفسير لأفعال البشر واسباب افعالهم له بنية مختلفة عن الآلية والبنية التي سبق شرحها. وعن مفهوم السبب المشاراليه سابقا.

فالفاعلون يتأملون أفعالهم ويتخدون قرارات وفق حسابات محددة ومقاصد ونوايا خاصة بهم .

وعندما نتكلم عن السبب فعل ما في الحياة اليومية ،فذلك يشمل مجموعة من الأمور أهمهاقصد الفاعل ،أي الوضع الذي يريد ان تكون عليه الأمور او قصد الفاعل وهذا ما نسميه بالتفسير الغائي . حيث تكون النتيجة النهائية موجودة في قصد الفاعل بشكل مسبق،أي ان النتيجة هي  السبب. وغن كام هماك نقاش وجدل واسع جدا حول هذه الطريقة في التفسير ومدى صحتها ،الا انني اعتقد ان التفسير الغائي على صعيد الممارسة متضمن بالفعل في كل الأشكال النظرية الاجتماعية التي تتحدث عن الفعل الانساني.

                                   المحور الثالث النظرية الاجتماعية:

انطوني غودنز النظريات الاجتماعية:

يبن غودنز ان هدف علماء الاجتماع كان تعبير عن الرغبة في فهم التغيرات والتطورات التي لحقت مجتماعاتهم بعيدا عن التفسيرا المجردة التي كانت سائدة في تلك الفترة ،والعمل على تطوير الوسلائل الكفيلة بدراسة هذه المجتمعات وادراك طبيعة التغير الاجتماعي. حيث نجد اختلافا كبيرا بين المناهج التي اتبعها هؤلاء . فنجد تركيز كل من دوركايم  وماركس على قوة المؤثرات الخارجية على الفرد في حين ان فيبر انطلق من قدرة الفرد على التاثير بطريقة خلاقة على العالم الخارجي.، واذا كان ماركس ركز على هيمنة القضايا الاقتصادية ،توسع فيبر في دراسة مجموعة من العوامل الاخرى. ...هكذا تطورت واستمرت وتواصلت الاختلافات بين الدارسين الاجتماعيين وتنوعت اساليب المقاربة والمناهج المتبعة وحتى عند الاتفاق على موضوع التحليل تمت معالجته من زوايا مختلفة.هكذا يرتبط اسماء هولاء الباحثين دوركايم  ماركس، فيبرباتجاهات نظرية او مدارس حديثة هي المدارس: الوظيفية، والصراعية، ,التفاعلية الرمزية،والتي يقوم النص بتحديدها وابرازالاسس التي تقوم عليها.

 

                                            المدارس الاجتماعية التي يتناولها النص

 

الوظيفية

 

منظور الفعل الاجتماعي

 

التفاعلية الرمزية

 

ترى ان المجتمع نظام معقدن تعمل جميع مكوناته واجزاءه سويا لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته. بحيث يكون علم الاجتماع هو الكشف عن العلاقات بين هذه المكونات بعضها ببعض وعلاقتها مع الكلز مثال  تحليل المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعيةباظهار صلتها بالمؤسات الاجتماعيةلأن اجزاء المجتمع تنمو بصورة متقاربة مع بعضها البعض.

منهنا ظرورة دراسة الوظيفة التي تؤديها الممارسات الاجتماعية من خلال ما تقدمه من الحفاظ على وحدة وديمومة المجتمعح حيث كثيرا ما يلجا دوركايم وكومت لمقارنة المجتمع بما شبهه من كائنات عضوية.

بحيث يعتقد هؤلاء ان ااجزاء المجتمع تعمل سويا ووبصورة متناسقة ومتكاملة وتهدف الى وظيفة اساسية ونهائية مثل ما هو الشان في الاجسام العضوية الحية. من هنا ضرورة ابراز الدور الذي تقوم به اجزاء المجتمع فيالحفاظعلى المجتمع وعافيته ووحدته.

فهذه المدرسة تشدد على اهمية الاجماع الاخلاقي في الحفاظ لىالنظام والاستقرارفي المجتمع  من خلال اشتراك اعضاء المجتمع في نفس القيم.- الدين مثلا يؤكد التمسك بالقيم الاجتماعية الجوهرية ، ويسهم في صيانة التماسك الاجتماعي,
 

إذا كان المنظور الوظيفي والصراعي يؤكد على اهمية البنى الاجتماعية في توجيهالمجتمع والتاثير على سلوك الافراد .نجد على العكس من ذلك تاكيد نظريات الفعل الاجتماعي على اهمية الفعل والفاعل والتفاعل بين اعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى. بحيث تعتبر ان دور علم الاجتماع ليس ابراز تاثير هذه البنى على الأفراد ولكن البحث عن المعاني التي يكتسيها الفعل الاجتماعي والتفاعل.وبالتالي تحليل الاسلوب الذي يتصرف به الفاعلون ويتفاعلون به فيما بينهم من جهة ومع المجتمع من جهة اخرى.وليس طرح النماذج النظرية التي يشتغل بها المجتمع كما تفعل المقاربات الصراعية والوظيفية.

ويعتبر فيبر في الغلب هو اول الداعين الى تبني هذا المنظور الاجتماعي. إذ رغم اعترافه باهمية البنى الاجتماعية كالطبقات والأحزاب وغيرها فإنه اعتبر ان هذه البنى هي من خلق الافراد.وقد تم تطوير هذا الموقف في طار المدرسة التفاعلية الرمزية  التي برزت في الولايات المتحدة الامريكية بصورة خاصة.والتي تاثرت بشكل غير مباشر بفيبر واساسا باعمال جورج هربرت ميد.

 تهتم هذه المدرسة بالقضايا المتصلة باللغة والمعنى  اذ يرى ميد ان اللغة تمكننا من الوعي الذاتي والاحساس بالفرديةورؤية انفسنا من الخارج مثلما يرانا الآخرون. حيث يشكل الرمز العنصر الرئيسي. والرموز تشمل ايضا الايماءات الغير الشفوية واشكال التواصل الاخرى . فميد يرى ان البشر يعتمدون على رموز وتفاهمات ومواضعات مشتركة في تفاعلهم مع بعضهم البعض.وبالتالي لكون عالم البشر زاخر بالرموز المختلفة فان جميع عمليات التفاعل بين الافراد تشمل تبادل الرموز .فالتفاعلية الرمزية توجه انتباهناالى تفصيلات التفاعلات الشخصية والطريقة التي تعطي بها معنى لما يقولهه ويفعله الاخرو،. وينوه اصحاب هذه المدرسة بالدورالذي تؤديه هذه التفاعلات في خلق المجتمع ومؤسساته.

ولاشك في اهمية هذه المدرسة في تقديم اضاءات على افعالنا الا انها تعرضت لنقد واسع لانها تهمل قضايا اساسية التي تتعلق بالسلطة والبنى في المجتمعوبالطريقة التي يفرضان بها القيود على الفعل الفردي.

 

هذا الاختلاف الكبير في نظريات علم الاجتماع مؤشر على حيويته ويجب اعتباره موطن قوة لا وطن ضعف كما يعتقد البعض.

ويتفق جميع علماء الاجتماع على ضرورة وضع الاراء الشخصية جانبا والالتزام بنوع من الموضوعية والحياد،وضرورة التاني في دراسة الظواهر الاجتماعية المؤثرة في سلوكنا والآخرين. فعلم الاجتماع ليس مجد مجهود نظري تجريدي بل ينطوي على مضامين عملية لحياة الناسزوهذا يتطلب مجهودا فكريا يقوم على الخلق والابداع وربط الاراء والنتائج الاجتماعية بالاوضاع والمواقف التي واجهها الفرد في حياته.وضرورة ادراك جوانب الاختلاف بين مجتمعاتنا والمجتمعات الاخرى بطريقة ايجابية.

إنجاز:يج عمر استاذ الفلسفة                   المفهوم  الثالث: مفهوم الحقيقة

التأطيرالإشكالي  

1-    الدلالات اللغوية والاصطلاحية:    

الحقيقة: حق الأمر :صح وثبت وصدق .

حق الأمر تيقنه وصدقه.

حسب الجرجاني في التعريفات :" الحقيقة اسم لما أريد به ما وضع له . وهي فعلية من حق الشيء إذا ثبت ... هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح يتم به التخاطب ( في مقابل المجاز)  و الشيء الثابت قطعا ويقينا. ويقال حق الشيء إذا ثبت . وهي اسم للشيء المستقر في محله، وما به الشيء هو هو ( ماهية الشيء) كالحيوان الناطق للإنسان."

" الحق في اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والمذاهب ... باعتبارها تشتمل على ذلك . ويقابله الباطل . والصدق قد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب. وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته للواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه." .

2-    الدلالة الفلسفية:

لالاند " الحقيقة هي خاصية ما هو حق وهي القضية الصادقة ، وما تمت البرهنة عليه ، وشهادة الشاهد الذي يحكي ما فعله  وما رآه ، والحقيقة بمعنى اعم هي :الواقع"

" والحق  أو الصادق هو خاصية الحكم الجازم الذي يستوجب الموافقة التامة عليه . وما هو موجودا فعلا وواقعا... والشيء الأصيل في مقابل المزيف."

الرأي :الاعتقاد ، العقل التدبير ، النظر والتأمل  ... الرأي عند الأصوليين استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة.

التقابلات

الحقيقة/ الكذب  الحقيقة/ الغير الواقعي ، الغير اليقيني،الباطل.

الواقعي/ غير الواقعي ،  المزيف.

الصدق/ الكذب

جوهر الشيء وماهيته الثابتة/ الأعراض ، الزائلة والمتغيرة.

يقيني/مشكوك فيه ظني

هذه التقابلات تطرح مجموعة من الإشكالات والتساؤلات:

الحقيقة والواقع  : 

إلا يلاحظ أن هناك أشياء واقعية غير حقيقية فالكذب نفسه يوجد في الواقع... كما إننا نعتبر كثيرا من الأشياء غير موجودة واقعيا

حقائق...فالذهب المزيف واقعي مثله مثل الذهب الخالص.

الحقيقة  تكمن في الحكم أو القضية

فقولنا هذا ذهب حقيقي  ؟ هي قضية قد تكون صادقة او غير صادقة  كيف؟ أي أن الأمر يتعلق ليس بالمعدن الذي نشير اليه بل بحكمنا عليه ، فالحكم هذا ذهب هو الحقيقي ام غير حقيقي . بينما المعدن الذي نشير اليه طبيعته هي هي ، فالقضية ستكون صادقة إذا ما طابقت طبيعة الشيء الواقع وستكون كاذبة( غير حقيقية إذا لم تتطابق معه). وهذا ما يدفعنا الى التساؤلات التالية:

هل الحقيقة توجد معطاة في الواقعي وهل يمكن القول أن الحقيقي واقعي أو أن الواقعي حقيقي؟

أم أن  الحقيقة توجد في العقل والأحكام والقضايا العقلية؟ وكيف يمكن التحقق من كون آرائنا حقيقية أو غير حقيقة أو ما علاقة الرأي بالحقيقة؟ وما هي معايير الحقيقة وهل هناك معيار واحد ام معايير متعددة حقيقة واحدة ام حقائق مختلفة ؟ حقيقة مطلقة أم نسبية؟ وما الذي يجعلنا نرغب في الحقيقة ونبحث عنها ومن أين تستمد قيمتها؟

(هل الحقبقة معطاة ام مبنية ؟ هل هي مطلقة ام مبنية؟لماذا البحث عن الحقيقة؟)

النص المشكلة:

إقرأ نص أفلاطون وبين الإشكال الذي يطرحه النص؟ استخلص تصور أفلاطون للحقيقة.

أسطورة الكهف لدى أفلاطون :

أشخاص مقيدون منذ صغرهم ولا يستطعيون  الإلتفات الى ما وراءهم ، حيث ينظرون إمامهم فقط ويشاهدون مجموعة من ظلال الأشياء التي تعكسها نار وراءهم، وهم لم يروا في حياتهم غير ظلال هذه الأشياء وهذا جعلهم يعتقدون أن تلك الظلال هي حقائق الأشياء. ماذا سيقولون لو تم تحريرهم وخرجوا من الكهف ورأوا صور الأشياء الحقيقية في نور الشمس.

( رموز الأسطورة: الكهف العالم الماذي السفلي المحسوس. ،  القيود: الحواس .  الظلال: الأشياء المعرفة الحسية.   ،  خارج الكهف العالم العلوي والمعقول ، عالم المثل الحقيقي     ،  وضوء الشمس : مثال الخير والمعرفة الحقة ( العقلية) الذي يتوصل إليه بالتحرر من المعرفة الحسية - ومن القيود-، من خلال الجدل الصاعد = بواسطة العقل) =  للوصول الى الحقيقة  لابد من التحرر من المعرفة الحسية والقيود التي تفرضها على الإنسان العادي وحده الفيلسوف قادر الى بلوغ الحقيقة من خلال التامل العقلاني المجرد من كل حس وكل منفعة عملية....

فالحقيقة لا توجد إذن في العالم الحسي والمعرفة الحسية مجرد ظنون لا تملك قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة هي أساسا عقلية ومعقولة ومجردة وتوجد في عالم المثل عالم المعقولات..

وهذا ما يجعلنا نطرح علاقة الحقيقة بالرأي وهل الحقيقة نجدها جاهزة ومعطاة ؟ أم هي بناء عقلي؟

يمكن التمييز بين مستويين من المعرفة حسب برتراند راسل المعرفة بالأشياء والتي تكون مباشرة ولا تحتمل الخطأ فإما إن نعرف الأشياء أو لا نعرفها ، ومعرفة الحقائق ، حيث نعتقد ما هو حق مثلما نتعقد ما هو خاطيء وباطل.

                                    المحور الأول : الرأي والحقيقة:

( هذا المحور تم الإشتغال عليه كحصة تطبيقية حول الكتابة الإنشائية نموذج القولة للمناقشة وهذا ما يتطلب الجمع بين الجانب المنهجي والمعرفي ....)

المطلوب من التلاميذ تأطير قولة مأخوذة من نص بليز باسكال  ومعالجتها ضمن كتابة إنشائية تطبيقا للمنهجية الخاصة بالقولة السؤال.

" نعرف الحقيقة لا بواسطة العقل فقط ، ولكن أيضا بواسطة القلب...إنما ينبغي على العقل أن يستند لتأسيس خطابه بكامله على المعارف (المباديء الأولية) الصادرة عن القلب والغريزة."

حلل وناقش هذه القولة.

-         التأطير الموضوعي والإشكالي :

                 المجزوءة :المعرفة ، المفهوم : الحقيقة.

            الإشكال المطروح هل الحقيقة تدرك بالعقل أم بالقلب؟ وهل هي أراء وحقائق جاهزة ومعطاة؟ أم أنها بناء عقلاني يتعارض مع الراي العامي أو بادئ الرأي؟

-         استخلاص :أطروحة باسكال وحجاجها ضمن التحليل.

-          

-         وتوظيف أطروحة باشلار  في مناقشة وتجاوز أطروحة باسكال

-          وصياغة التركيب

1-    اطروحة باسكال حقائق العقل وحقائق القلب

يبين باسكال :أن العقل وحده لا يمكنه بلوغ الحقيقة كاملة - كما يعتقد العقلانيون -  لأن هناك حقائق ومباديء القلب الأولية التي تشكل منطلقا للبرهنة عن حقائق العقل.

 ( شرح المفاهيم الأساسية )

حجاج النص:

يعتمد النص الإثبات والعرض: مبينا  أن الحقيقة لا تدرك بالعقل وحده كما يعتقد العقلانيون ، لأنها تدرك أيضا بواسطة القلب . فالقلب هوأ ساس المبادئ الأولى التي تشكل منطلق كل استدلال  عقلاني رغم محاولة العقلانيين التشكيك في هذه المبادئ. - وهذا أيضا ما قام به الشكاك البيرونيين دون فائدة- .

وإذا كان العقل لا يستطيع إثبات أو البرهنة عن تلك المبادئ فهذا لا يدل على عدم صحتها ، بل فقط يدل على عجز العقل.

فالمبادئ القلبية  هي مباديء أولية واضحة وصلبة وهي من حيث قوتها وبداهتها أقوى من  تلك التي تقوم على الاستدلال العقلي. وعلى سبيل المثال :المكان والزمان والحركة والأعداد التي ندركها مباشرة بالقلب.

وبالتالي فأن العقل والحقائق العقلية تجد منطلقها وتبني خطابها من تلك المبادئ الأولية، فالاستدلالات العقلية يجب أن تستند إلى المبادئ الأولية القلبية.

ولتوضيح ذلك يلجأ النص إلى التمثيل: القلب يدرك أن المكان يتكون من 3 إبعاد، أو أن الأعداد لانهائية والتي ينطلق منها العقل للبرهنة على عدم وجود عددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.

بذلك يستخلص أن المبادئ يتم الشعور بها وإدراكها بشكل مباشر( محلها القلب) ، أما القضايا فيتم البرهنه عليها واستخلاص بعضها من البعض( محلها العقل.) وكل من القضايا أو المبادئ تتصف بنفس القوة واليقين رغم اختلاف طريقة تحصيلها. وبالتالي فلا يجوز للعقل أن يطلب من القلب البرهنة على مبادئه كي يتوافق معها كما لا يجوز للقلب أن يطلب من العقل الشعور  بالقضايا التي يبرهن عليها ليتلقاها منه.

هكذا يتوصل النص  إلى القول أن كل من القلب والعقل يختص في نوع من الحقائق فالقلب، بالمباديء الاولى والعقل ،بالقضايا مما يجعل الواحد يكمل ألآخر.

(المناقشة :  يمكن توظيف تصور باشلار )    

2-  أطروحة غاستون باشلار الراي مخطيء دوما :

 يرى  باشلار  أن بادئ الرأي مخطئ دوما ولا يقدم حقائق بل يترجم الحاجات إلى معارف، والحقائق العلمية مناهضة دوما لباديء الرأي وهذا يعني أنها بناء عقلاني ينطلق من طرح الأسئلة الصحيحة والإجابة وفق منهج دقيق. ( نفي لوجود حقائق تقوم على المعرفة القلبية المباشرة التي لن تكون في النهاية إلا أراء أولية معرضة للخطأ)

 يبين النص أن الرأي والعلم متعارضين دوما ، وإن وافق العلم الرأي  في بعض الأحيان، فسيكون لسبب وطريقة مغايرة لباديء الرأي.

وما يجعل باديء الرأي مخطئا  دوما هو كونه لا يقوم على برهنة عقلانية، لأنه خاضع للحاجيات اليومية والرغبات والمعتقدات والانطباعات الخاصة بالإنسان العادي، وبتعبير باشلار فهو يترجم الحاجات إلى  معارف من هنا يعتبر باشلار أن بادئ الرأي هو عائق إبستمولوجي أمام المعارف والحقائق العلمية ، وينبغي بالضرورة تجاوزه.  فالعلم ، لا يمكن ان يعالج القضايا التي لا يفهمها ،بل المعالجة العلمية تفترض طرح أسئلة ومشاكل بشكل واضح ودقيق وفق عقلانية تطبيقية و منهج يجمع بين العقل والتجربة ، تمكن من تقديم أجوبة دقيقة  وهذا معناه أن المعرفة العلمية إذن ليست معرفة معطاة وجاهزة ، بل الحقيقة العلمية  بناء ، ف"لا شيء يحدث تلقائيا، لاشيء يعطى، كل شيء يبنى."

هكذا ينفي النص المعارف الجاهزة والمعطاة كما ينفي باديء الرأي ، فالمعرفة العلمية تبدأ عندما يتم طرح الأسئلة الحقيقية والصحيحة.

( لابد من  صياغة نتيجة تركيبية  للمناقشة)

                                      المحور الثاني معايير الحقيقة:       

                     * إشكال المحور: ما هو معيار الحقيقة؟ وعلى ماذا يمكن تأسيسها؟   

            1-   ديكارت الحقيقة عقليةوتقوم على الحدس والإستنباط  :

الأطروحة: يرى ديكارت أن الحقيقة هي أساسا حقيقة عقلية مادامت المعرفة الحسية معرفة مشكوكة فيها ، وان الحقيقة يتم التوصل اليها  ،دون أن نخشى الوقوع في الخطأ، بواسطة عمليتين عقليتين  هما الحدس والإستنباط . 

تتعارض الحقيقة عند ديكارت مع الرأي، إذ أنها تعتمد على المنهج وعلى قواعد عقلية صارمة( يمكن اختصارها في أربع قواعد رئيسية: البداهة، التحليل، النظام والمراجعة.) وتتأسس الأفكار البديهية على مبدأ الحدس، في حين تتأسس الأفكار الأخرى على مبدأ الاستنباط. هكذا يحدد ديكارت للحقيقة معيارين رئيسيين هما: الحدس والاستنباط. والحدس عنده هو إدراك عقلي خالص ومباشر، ينصب على أفكار بديهية ومتميزة في الذهن بحيث لا تحتاج إلى استدلالات عقلية ولا تقبل الشك؛ كأن أدرك أنني موجود أو أن المثلث هو شكل ذو ثلاثة أضلاع. أما الاستنباط فهو إدراك غير مباشر للحقيقة، بموجبه يتم استخلاص حقائق جديدة من الحقائق البديهية الأولية على نحو منطقي صارم بواسطة عملية الاستنباط . ولذلك فالحقائق التي يتوصل إليها عن طريق الاستنباط لا تقل أهمية ويقينية عن الحقائق الحدسية الأولية، ما دامت صادرة عنها بواسطة حركة فكرية مترابطة ومتصلة تفضي إلى نتائج ضرورية.

 هكذا فالحدس والاستنباط هما أساس المنهج المؤدي إلى الحقيقة. وبذلك فمعيار الحقيقة يتحدد أولا في البداهة المرتبطة بالحدس؛ إذ أن كل فكرة بديهية هي فكرة حقيقية تدرك بواسطة الحدس العقلي الخالص، كما يتحدد هذا المعيار ثانيا بواسطة التماسك المنطقي المرتبط بالاستنباط؛ إذ أن كل فكرة منسجمة منطقيا ومتطابقة مع قواعد الاستنباط العقلي تعتبر فكرة صحيحة ومنطقية.

2-اسبينوزا الحقيقة معيار ذاتها

الأطروحة  :   الحقيقية تحمل معيارها في ذاتها ، لأننا عندما نملك فكرة صحيحة نكون متأكدين منها ولا نشك في صحتتها ، وبالتالي فالحقيقة معيار ذاتها ومعيار الخطأ .

 يرى اسبينوزا  ان معيار الحقيقة  يكمن في البداهة التي تتمثل في كون الفكرة الصحيحة تحمل يقينها في ذاتها، إذ أنها تفرض نفسها على العقل بشكل واضح ومتميز لا يتطرق إليه أدنى قدر من الشك. هكذا فالحقيقة هي معيار ذاتها، وهي تشبه النور الذي ينكشف فيؤدي إلى انقشاع الظلام.  فالفكرة الصادقة او الصحيحة تمتلك  اقصى قدر ممكن من اليقين وبالتالي فإننا لا يمكن  ان نعلم أننا فهمنا شيئا معينا الا إذا سبق لنا وفهمنا هذا الشيء أي إلا إذا كنا نملك عنه فكرة يقينية ، وبالتالي فلو لم نكن نملك يقينا عن  الشيء لما اعتقدنا انه يقيني  أي ان امتلاكنا للحقيقة يعني أننا نملك فكرة مطابقة لموضوعها . من هنا يرى اسبينوزا أن الفكرة التامة هي تلك التي تملك في ذاتها كل الخصائص والعلامات الباطنية المميزة للفكرة الصحيحة. وهذا ما يجعل الحقيقة معيار ذاتها .

 

                 المحور 3 :الحقيقة بوصفها قيمة

الإشكال:

ما قيمة الحقيقة وما الذي يمنحها قوتها  ؟ وما علاقتها بالخطأ وبالعنف؟

1-      تصور مارتن هايدغر:

ينتقد  هايدغر مفهوم الحقيقة كواقع لأن هذا يؤدي الى نفي واقعية الشيء الذي لا يصدق عليه المنطوق رغم واقعيته. كما ينتقد المفهوم الكلاسيكي  للحقيقة كمطابقة المنطوق للموضوع الذي يشير إليه لأنه يؤدي إلى استحالة تطابق المنطوق ( المجرد واللامادي ) مع الشيء (المحسوس والمادي).

لذلك يرى هايدغر ضرورة تجاوز المفهو م الكلاسيكي للتطابق والتوافق الذي يعني حدوث تماه فعلي بين شيئين مختلفين ) فالعلاقة بين الشيء والمنطوق تعني استحضار الشيء  إلى الذهن أي ان المنطوق يقول شيئا عن المستحضر ويعبر عنه كما هو ،فهو حقيقي.بحيث ان المنطوق  كلما استجاب للتعبير عن الموجود كما هو نقول انه مطابق له اي حقيقي.

فالحقيقة هي انكشاف ولا تحجب وحرية أي ترك الموجود يكون ما يكونه وتركه يكشف عن نفسه دون إكراه او إلزام حتى يتمكن المنطوق  الإستحضاري ان يقيس نفسه عليه.فالحقيقة محجبة وتتطلب إماطة اللثام عنها، فالحقيقة إذن هي انكشاف كينونة الكائن

إلا أن محاولة إماطة اللثام عن الحقيقة والبحث عنها معرضة دوما  للتيه  فالتيه هو مضاد لماهية الحقيقة ، والتيه هو أساس الخطأ والغلط،. فاللاحقيقة تقيم داخل الحقيقة ،ولا يمكن تحديد ماهية الحقيقة( الانكشاف) إلا إذا أخدنا بعين الاعتبار اللا حقيقة والتيه ( الانغلاق) فإنصراف الإنسان إلى ما هو شائع ورائج وما هو سطحي يجعله يبتعد عن السر و عن انكشاف الحقيقة ويتيه عنها.

2-   الحقيقة والعنف ايريك فايل:

يقدم ايريك فايل تصورا مخالفا فالوجه الآخر المقابل للحقيقة ليس هو الخطأ والوهم بل هو العنف.فضد الحقيقية يكمن في رفض الخطاب المتماسك والمنطقي ، والإنتقال الى الفعل السالب واللغة المفككة، فالحقيقة بالمعنى الفلسفي لا تعني مطابقة الفكر للواقع ، ولكن مطابقة الإنسان مع الفكر،أي مع الخطاب المتماسك والعقلي، إن العالم الذي نعيش فيه هو عالم  مليء بالعنف والشقاء والجوع والتنكيل والموت العنيف، هذا العالم  يجب أن يكون موضوع تفكير عقلاني ، وبالتالي  ان نحاول فهمه تبعا للمعنى الحقيقي الذي يملكه لأن الوجود ينكشف فقط في الخطاب، وبواسطة الخطاب  والمعنى المعقول . لذا فقيمة الحقيقة تكمن في إنشاء خطاب عقلاني متماسك، يلغي العنف لصالح المعنى.، وبهذا وحده يمكن وضع حدا للعنف والخطاب الغير المتماسك.

3-     تصور كانط

   اعتبر كانط أن لحقيقة قيمة أخلاقية عليا ومطلقة وغير مشروطة ومرتبطة بالواجب المطلق. وهي بذلك تنشد لذاتها كحقيقة موضوعية نزيهة وبعيدة عن المنفعة والمصلحة الخاصة. فالصدق واجب في ذاته، ويجب على الإنسان أن يقول الحقيقة ويسلكها مهما كانت الظروف والشروط ( ولا يجوز الكذب حتى لو كان الأمر يتعلق بإنقاد حياة بريء من يد مجرمي) لأن الكذب مضر بالغير دائما، حتى إن لم يضر إنسانا بعينه فهو يضر الإنسانية قاطبة، مادام انه يجرد منبع الحق من الصفة الشرعية  لأن الكذب ولو لمرة واحدة  سيؤدي الى اهتزاز جميع الحقوق المؤسسة على العقود والتصريحات والأقوال.                              

4-     تصور وليام جيمس: W.James     

تكمن قيمة الحقيقة حسب الموقف البرجماتي المعاصر الذي يمثله وليام جيمس في كل ما هو نفعي، عملي ومفيد في تغيير الواقع والفكر معا. فامتلاكنا للحقيقة يعن امتلاك اذوات ثمينة  للعمل ومطابقة ، الحقيقة للواقع يعني ان تلك   الحقيقة تفيدنا وتساعدنا عمليا وفكريا في معالجة ذلك الواقع بحيث يلائمنا ويناسب حياتنا . من هنا فالحقيقة ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة لإشباع حاجات حيوية أخرى. والأفكار الحقيقية هي تلك التي نستطيع أن نستعملها وأن نتحقق منها واقعيا، أما الأفكار التي لا نستطيع أن نستعملها وأن نتأكد من صلاحيتها فهي خاطئة. وعموما، يرى وليام جيمس، أن الأفكار الصادقة هي تلك التي تزيد من سلطاننا على الأشياء؛ فنحن نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود كما نخترع الأجهزة الصناعية للاستفادة من قوى الطبيعة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                مجزوءة المعرفة    

مفهوم النظرية والتجربة    من إنجاز الاستاذ يج  عمر

                     تقديم :

                 النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

النظرية في التمثلات تشير إلى الرأي والحكم والقول، إنها مجرد كلام أو حكم معبر عنه بكلام  لا علاقة له بالواقع وبالتالي تتخذ مفهوما سلبيا: هذه مجرد نظرية !

وفي اللغة العربية هي مشتقة من النظر والرؤية العينية، إنها رؤية شاملة للمجال المرئي وتعني في الاصطلاح " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ".

و في اللغة الفرنسية تشير إلى " مجموعة من الأفكار المنظمة قليلا أم كثيرا والمطبقة في مجال محدد" أو أنها "بناء عقلي منظم ذو طابع تركيبي "

 وفي الفلسفة تعني " نسقا من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة ، ويتضمن هذا النسق بناءا منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم من الانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم."

أما التجربة فتشير الى المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان من خلال اتصاله بالواقع ، كما تشير الى المهارة والقدرة والإتقان في مجال  او تخصص معين كنتيجة للممارسة الطويلة.

اما التجربة في العلم  فتعني "إعادة إحداث وإنتاج ظاهرة ما - تمت ملاحظتها- في المختبر وفي إطار شروط محددة بهدف دراستها وبناء معرفة علمية او حقيقية عنها."

وتشكل التجربة "الوسيلة  الأساسية التي  يلتجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر ."

فالنظرية تشير إلى ما هو عقلي تجريدي أي أنها مجموعة من المفاهيم العقلية والمجردة، بينما تشير التجربة إلى ما هو واقعي وملموس.  هذا التقابل بيت الواقعي الملموس وبين العقلي المجرد ن هو ما يجعل العلاقة بين التجربة والنظرية علاقة توتر وصراع ويفتح المجال أمام تساؤلات إشكالية من بينها : هل التجربة تهميش لدور العقل ؟ألا تقوم التجربة نفسها على أساس عقلي ؟ و ألا يحول العقل التجربة إلى نظرية علمية وموضوعية؟  وهل يمكن تصور نظرية مفصولة بشكل كلي عن التجربة آو العكس تجربة لا علاقة لها بآي نظرية عقلية؟ وبالتالي ما هي المشكلات الابستمولوجية التي تطرحها علاقة التجربة بالنظرية؟

إذا كانت تمثلات الإنسان العادي تنظر إلى النظرية نظرة سلبية عل أساس أنها مجرد تصور عقلي لا يستند إلى أي واقع ملموس وتجريبي ، في حين تمجد من التجربة ( أسال المجرب ولا تسال الطبيب كما يقول المثل الدارج) ، فان الفلسفة اليونانية قدمت تصورا معاكسا يمجد النظر العقلي والممارسة النظرية أو التفكير العقلاني المجرد ، والنظرية على حساب الممارسة اليومية القائمة على التجربة وعلى العمل اليدوي الذي هو من اختصاص العبيد .

إلا أن ابن خلدون يرى انه لا يمكن الفصل بين النظرية والتجربة لأن أي عمل مهما كان بسيطا يسبقه تفكير، فالإنسان عندما يريد القيام بشيء فانه يتقصى ويبحث عن علل و مبادىء الشيء التي لا يوجد إلا بها ، هكذا يكون أخر الفكر هو بداية العمل،  ويرى مالينوفسكي  ا ن أي عمل أو تقنية أو فن مهما كان بدائيا  فانه يحمل في طياته إضافة إلى مهارة يد الصانع أو نظرية علمية دقيقة.  أما باشلار فيرى أن النظرية العلمية هي منفصلة عن الممارسة العلمية وعن بادئ الرأي لأن هذا الأخير تفكير خاطئ من حيث المبدأ ويفكر تفكيرا سيئا ،بل انه لا يفكر و أنما يترجم حاجات إلى معارف..

(يهدف هذا الموضوع إلى مقاربة مفهوم النظرية والتجريب مقاربة تزاوج بين انجاز  الجانب المعرفي بإيصال المعارف اللازمة إلى التلميذ وبين تطوير مهارة التعبير والكتابة الفلسفية  من  خلال نموذج السؤال المفتوح( وهذا مايتيح  ،على الأقل جزئيا، تجاوز عائق الزمن الناتج عن عدم ملاءمة الحصص الزمنية المبرمجة مع طول المقرر ضمن حصة تطبيقية (تم فيها تقديم توجيهات وتصميم أولي  للموضوع المقترح للتلاميذ) وذلك على الشكل التالي :

ينطلق السؤال المفتوح من نص كلود برنار ويقوم بدمج المحور الأول والثاني من المفهوم في تصميم الموضوع:

إلى أي حد يمكن اعتبار التجريب العلمي إنصات للطبيعة وتصوير فوتوغرافي للواقع؟

 ( إن الهدف المزدوج من هذا الدرس من الصعوبة بمكان فهذه الورقة وإن حافظت نسبيا على مراحل الكتابة الإنشائية- خاصة في العمل داخل القسم- إلا أن محاولة جعل هذه الأوراق كدعامة للدرس جعل من الضروري التركيز أيضا على توصيل المعرفة بشكل قد يتجاوز توظيفها في إطار سؤال خاص ومحدد، وهذا ما جعل هذه الأوراق تبدو على الشكل الذي هي عليه)

                           المحور الأول: التجربة والتجريب:

ألأطروحة المتضمنة في السؤال هي أطروحة كلود برنار والتي تقول بان العالم يجب أن يجمع بين الملاحظة الأمينة التي تتولد عنها الفكرة القابلة للاختبار، والتجربة التي تفحص (الفرضية) أو الفكرة وتخضعها للتجريب للتأكد من صحتها،وذلك وفق خطوات منهجية ضرورية تشكل منهج التجريب العلمي.

البناء الحجاجي للأطروحة:

المنهج العلمي أو التجريب العلمي يقوم على خطوتين أساسيتين وضروريتين هما الملاحظة العلمية التي تنشا عنها الفكرة أو الفرضية التفسيرية للظاهرة الملاحظة ثم التجربة التي يقوم العالم من خلالها بالتأكد من مدى مطابقة فرضيته للواقع،باعتبارها وقائع صحيحة ومنتظمة( تؤدي إلى قانون يفسر الظاهرة ويتيح التنبؤ). وهذا يعني أن العالم يكون في نفس الوقت ملاحظا ومجربا.

والملاحظة التي يقوم بها العالم يجب أن تكون دقيقة مما يفرض عليه استخدام كل الأدوات التي تتيح ملاحظة شمولية للظاهرة المدروسة. ويشترط فيها أن تكون ملاحظة أمينة للواقع لا يسمح فيها للعالم بالتدخل أي عليه مواجهة الواقع دون أفكار مسبقة( دون أي نظرية سابقة على الملاحظة)إذ عليه الإنصات لإملاءات الطبيعة والتصوير الفوتوغرافي لها. أما الفكرة أو الفرضية( النظرية) فهي من إيحاء الملاحظة وناتجة عنها أي أن العقل يتدخل هنا فقط للتفسير والقيام بالاستدلال الذي يوحي به الواقع. وهذه الفكرة أو الفرضية يجب أن تكون قابلة للاختبار ،وعلى العالم أن يخضعها للتجربة للتأكد من صحتها أو استبدالها بفرضية أخرىأكثر ملائمة للواقع، وهذه التجربة يجب أن تكرر في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير حتى يتم الوثوق فيها( ومع ذلك لا يمكن اعتبارها حقيقة نهائية ومطلقة). هكذا يمكن القول –حسب كلود برنار – أن المنهج العلمي يتمثل في أربع خطوات هي:

1-    الملاحظة الدقيقة والأمينة للواقع.

2-    الفرضية  التفسيرية  الناتجة عن المعاينة للواقع.

3-    التجربة التي خطط لها العالم فكريا والتي يتم انجازها في المختبر بطريقة متكررة في ظروف مختلفة ويتم تنويعها بشكل كبير.

4-     ملاحظة الظواهر الجديدة التي تنتج عن ذلك والتي يجب تقديم فرضيات جديدة وهكذا دواليك.

     هكذا يجعل كلود برنار من الملاحظة بداية المنهج العلمي ونهايته.

    إن هذا التصور- الذي يقوم على النزعة الاستقرائية - وإن يشير إلى ضرورة الجمع بين النظرية والتجربة إلا انه يركز على كون النظرية ليست إلا نتاجا للملاحظة ، وليست سابقة عنها ،فالعالم يجب عليه مواجهة الواقع دون أفكار سابقة ، ومهمة النظرية أو الاستدلال العقلي هنا فقط تقديم تفسير للوقائع الملاحظة ، مما يجعل العقل فقط يسجل ويستجيب لإملاءات الطبيعة وهذا هو التصور التجريبي الكلاسيكي ( المذهب التجريبي الكلاسيكي يعتبر العقل صفحة بيضاء تملؤها أو تكتب عليها معطيات التجربة).

-       المناقشة:

ولكن ألا يعني الفول بان العالم ينصت إلى الطبيعة  ويلتزم الصمت و يقوم بالنقل الأمين والتصوير الفوتوغرافي للطبيعة تهميشا لدور العقل وللنظرية؟وبالتالي فالعقل ليس  إلا  متلق يسجل إملاءات الطبيعة؟ وهل هذا التصور ينطبق فعلا على المنهج التجريبي؟ أليس للعقل وللنظرية دورا أكبر مما ينسبه إليه كلود برنار؟

كانط : العقل يحتل الصدارة في المنهج العلمي: 

يبدو تصور برنار لدور النظرية والعقل في المنهج التجريبي ، تصورا كلاسيكيا (هذا التصور أصبح اليوم متجاوزا ). فكانط( الذي عاش قبل كلود برنار ببضع سنوات) مثلا لا يتفق مع هذا التصور ، لأن العقل في عملية المعرفة العلمية ليس منفعلا ولا متلقيا بطريقة سلبية كما وصفه برنار بل على العكس من ذلك فهو الذي يحتل الصدارة في عملية المعرفة العلمية وهذا ما يتبين من خلال قولة كانط في إطار حديثه عن العلماء ، حيث يقول أن العلماء: " فهموا أن العقل لا يرى إلا ما ينتجه هو وفق خططه الخاصة ، وان عليه أن يتقدم بالمبادئ التي تحدد أحكامه وفق قوانين ثابتة. وان عليه أيضا أن يرغم الطبيعة على الجواب عن أسئلته، وان لا يترك نفسه ينقاد بحبال الطبيعة وحدها…" فالعقل هنا ليس متلق ( كما قال برنار)  ولا ينصت كما ينصت التلميذ إلى المعلم بل يستجوب الطبيعة كما يستجوب القاضي الشهود…

الخيال والتجريب : روني طوم : 

ويقدم روني طوم تصورا معاصرا يتجاوز التصور الذي قدمه برنار( وكذلك كانط)  هذا التصور المعاصر للمنهج التجريبي يعطي أهمية متعاظمة للنظرية وللعقل هكذا يتحدث طوم عن التجربة العقلية الخيالية التي تكمل ماهو واقعي منتقدا بذلك التصور الكلاسيكي الذي لم يعد يعكس واقع التجربة العلمية التي لابد فيها من إكمال الواقعي بالخيالي ، هذه العملية الذهنية التي لايمكن لأي آلة تعويضها .

فالواقعة التجريبية في تصور روني طوم لكي تكون علمية لابد  أن يتضافر فيها شرطين أساسيين هما قابلية التجربة العلمية للتكرار وإعادة صنعها في  أزمنة وأمكنة مختلفة ، وان تستجيب لتطبيقات عملية تلبي حاجات إنسانية من جهة واهتمامات نظرية أي دخولها ضمن إشكالية علمية قائمة من جهة  أخرى. فالهدف من التجريب العلمي هو التحقق من الفرضية التي هي نظرية تتضمن إلى جانب ماهو واقعي ماهو خيالي ( على سبيل المثال إضافة مفهوم السببية كما أن هذا التصور يستمد شرعيته من الفيزياء المعاصرة الكوانتية والتي تعالج العالم الميكروسكوبي الذي لا يمكن ملاحظته بشكل مباشربل فقط من خلال بعض الآثار الناتجة عن حركات مكونات الذرة مما يستوجب تدخل التجربة الخيالية التي يلعب فيها العقل دورا كبيرا) وهذا ما يتيح ملأ الفراغ والنقص الناتج عن عجز الملاحظة وبالتالي اكتمال البناء النظري وإضفاء طابعا شموليا عليه ، ويمكن العقل من استباق تفاعلات الواقع والتعبير عنها بشكل رياضي، لهذا يرى روني طوم أن هذه القفزة الخيالية لايمكن لأي آلة أن تعوض فيها العقل. من هنا تبرز الأهمية الكبرى للعقل وللخيال إذ يشكلان عملية لايمكن الاستغناء عنها رغم انفلاتها من كل رتابة وعن كل منهج.

هكذا يتبين لنا أن دور العقل والنظرية في المنهج العلمي اكبر بكثير مما تصوره المنهج الكلاسيكي كما عبر عنه كلود برنار ، إذ انتقل من دور المتلقي والمنفعل إلى دور الفاعل والمبدع وهذا الدور الإبداعي هو ما سيوضحه بشكل أكبر أينشتاين.

                                        المحور الثاني: العقلانية العلمية 

1- العقلانية المبدعة :ألبرت انشتاين

يتجاوز تصور اينشتاين للمنهج العلمي التجريبي التصورات السابقة إذ يعطي للنظرية والعقل الرياضي أهمية قصوى هذا العقل الذي بإمكانه تصور دينامية الظواهر الطبيعية دونما حاجة للمعاينة والتجربة المباشرة عليها هكذا يؤكد في أطروحته أن المفاهيم والبناء النظري للعلم خاصة في الفيزياء النظرية هي أساسا إبداعات عقلية حرة للعقل الرياضي ، وان هذه البناءات الرياضية الخالصة تسمح بفهم الظواهر الطبيعية دونما حاجة للملاحظة العينية.

  وبذلك تحتل البناءات النظرية العقلية الصدارة في الفيزياء المعاصرة ، حيث تتشكل الأنساق الكاملة للفيزياء النظرية من أفكار وقوانين أساسية تربط بين تلك الأفكار والقضايا التي تستنتج منها بواسطة الاستنباط المنطقي ، وتلك النتائج هي التي يجب أن ترتبط بالتجارب الفردية والخاصة.)يري اينشتاين أن

المفاهيم العلمية إبداعات حرة للفكر البشري، يحاول بواسطتها أن يكون لنفسه صورة اقرب ما تكون من حقيقة هذا الواقع نفسه، هذه الحقيقة التي يقترب منها العلم دون أن يتمكن من الإمساك بها كما هي. مثل الرجل الذي يحاول أن يفهم آلية اشتغال ساعته دون أن يملك القدرة على فتحها حيث يستطيع تخيل وتكوين صورة عن تركيبها الداخلي ولكنه لن يكون على يقين بان الصورة التي كونها تطابق حقيقة الجهاز. فليس العلم ادن مجموعة من القوانين ولا قائمة من الأحداث الغير المترابطة ببعضها البعض ،انه ابتكار للفكر البشري شيده بواسطة أفكار ومفاهيم ابتدعها العقل الرياضي بكل حرية فالنظريات الفيزيائية تحاول صياغة صورة عن الواقع وربط هذه الصورة بعالم الانطباعات الحسية (التجريبي)

فالعقل هو الذي يعطي للنسق الفيزيائي بنيته أما التجربة فعليها أن تطابق القضايا الناتجة عن النظرية.  فالنسق الفيزيائي الذي هو إبداع عقلي حر يستمد قيمته من إمكانية التطابق بين المعطيات التجريبية والقضايا الناتجة عن النظرية أو النسق النظري..

وبذلك ينتهي اينشتاين إلى القول [انه متيقن تماما أن البناء الرياضي يمكننا من اكتشاف القوانين التي تسمح بفهم الظواهر الطبيعية ، وان التجربة يمكن أن تلعب دور الموجه في اختيار المفاهيم الرياضية التي يمكن توظيفها ، وبالتالي فالمبدأ الخلاق والفعال لا يوجد في التجربة ولكن في العقل الرياضي . وهذا التصور الذي يقدمه اينشتاين يستمد مشروعيته في كون كثيرا من الوقائع الطبيعية التي يعالجها العلم غير قابلة للملاحظة والتجربة المباشرة كما يلاحظ في الفيزياء الكوانتية ( العالم الميكروسكوبي الذرات وجزيئاتها مثلا) وكذلك في العالم الماكروسكوبي (الظواهر الكونية البعيدة في علم الفلك   مثلا ).

2\  العقلانية التطبيقيةاو حوار العقل والتجربة : باشلار

يتبن لنا من خلال المناقشة السابقة أن التصورات التي ناقشت النظريات والمنهاج التجريبي العلمي هو انعكاس وتطوير للنقاش الفلسفي الكلاسيكي بين المذهب التجريبي الذي كان يرى أن العقل صفحة بيضاء تملؤها معطيات التجربة مما يجعل من التجربة المصدر الوحيد للمعرفة وبين المذهب العقلاني الذي كان يرى أن العقل حائز على مبادئ فطرية أو قبلية تمكنه من بلوغ جميع المعرف دونما حاجة إلى التجربة هذين المذهبين الذين انتقدهما كانط مبينا قصورهما في انفصالهما وتطرفهما ، ومبينا ضرورة الجمع بينهما، فالعقل وحده بمبادئه القبلية سيدور في فراغ ولن ينتج معارف يقينية بل قد ينتج نقائض أما التجربة وحدها فلن تقدم إلا معطيات مبعثرة لا ناظم ولا معنى لها من هنا ضرورة الجمع بين العقل والتجربة ( مع إعطاء الصدارة للعقل كما تبين لنا من خلال المناقشة السابقة).

هذا الصراع الذي انتقل من مجال الفلسفة إلى العلم هو ما يحاول باشلار حله من خلال تصوره للعقلانية التطبيقية( أو العقلانية العلمية ،أو الفلسفة المفتوحة.)

يرى باشلار أن الحركة المزدوجة  التي تغدي الفكر العلمي تتراوح بين ما هو قبلي (عقلاني) و ماهو بعدي(التجريبي). حيث ترتبط النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية وتعزز كل منهما الأخرى وتبررها "النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل ،والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق.فبدون قوانين واضحة واستنتاجيه ، مترابطة ومنسجمة ، لا يمكن أن تكون النزعة التجريبية موضوعا للتفكير ولا مادة للتعليم ، وبدون براهين ملموسة ، وبدون التطبيق على الواقع المباشر لايمكن للنزعة العقلانية أن تتوفر على قوة للإقناع التام ، فالقانون التجريبي لا تتأكد قيمته إلا من خلال الاستدلال ، والاستدلال نفسه لاتتاكد مشروعيته إلا عندما يصبح أساسا للتجربة."

فالعلم إذن يقوم على الحوار بين البراهين النظرية (العقل) وبين التجريب والقوانين التجريبية(التجريب) ولا يجب النظر إليهما على أساس أنهما يكونان ثنائية أو قطبين منفصلين بل على أساس كونهما يتكاملان  أي يكمل منها الآخر ويسير به إلى منتهاه .

فان يفكر الإنسان تفكيرا علميا معناه أن يضع نفسه في الحقل الابستمولوجي الذي يقوم كوسيط بين النظرية والتطبيق بين الرياضيات والتجربة .

من هنا يستخلص باشلار أن العلوم الفيزيائية لا يمكن أن تتأسس كعلم إلا من خلال الحوار الجدلي بين العقل والتجربة فالواقع لابد أن يخضع للعقل ،والحجج العقلية لابد ا أن تكون من صميم لحظات التجربة." لا توجد عقلانية فارغة كما لا توجد اختبارية عمياء"وهذا يعني أن العقل العارف مشروط بموضوع معرفته.

(إلا أن باشلار يرى ضرورة تفضيل احد هذين القطبين على الآخر لأن الحركة الابستمولوجية للعلم هي ذات طابع عقلاني من هنا الاسم الذي أطلقه عليها عقلانية تطبيقية أو مطبقة ، فالعلم المعاصر  هو بناء عقلاني، يبعد من الأدوات التي يشيد بها صرحه كل صبغة لاعقلانية ويجنب الظاهرة المشيدة كل انحراف لا عقلي ،إلا أن هذه العقلانية ترى ضرورة التطبيق لأنها تعمل من خلال التطبيق على تجاوز مبادئها تجاوزا دياليكتيكيا وهذا ما يجعلها فلسفة مفتوحة ).

نستخلص من هذا التصور أن العقل والتجربة (القبلي والبعدي) متكاملان ويوجدان في حوار دائم(في علاقة جدلية) فالعقل يدرك التجارب من خلال ما لديه من مقولات وهذه المقولات ليست ثابتة ونهائية لأنها تتأثر وتتطور بفعل التجربة.

                                           المحور الثالث : معايير النظريات العلمية .

من خلال المناقشة السابقة حول اختلاف الآراء حول طبيعة المنهج التجريبي خاصة بين التصور الكلاسيكي والمعاصر ودور العقل والنظريات فيه، يبرز إشكال معيار علمية نظرية من النظريات وما الذي يمنحها صلاحية النظريات العلمية؟

معيار تعدد الاختبارات  بيير تويليي:

إذا كانت النظرية الفيزيائية كما حددها بيير دوهيم في قوله :"إن النظرية الفيزيائية ليست إلا نسقا من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ غايتها أن تمثل ـ بصورة صحيحة ـ مجموعة من القوانين التجريبية" فان هذا يعني أن  ما يضفي على نظرية ما  طابعها العلمي هو التماسك  والانسجام المنطقي بين مكوناتها والذي تستمده من إخضاع فروضها لاختبارات متعددة تربط فروض نظرية ما بفروض أخرى ،مما يجعل من تعدد الاختبارات إغناء للنظرية العلمية.

وينتقد بيير تويليي التصور الكلاسيكي القائل أن علمية نظرية ما تكمن في استنباط نتائج قابلة للتحقق التجريبي ، واصفا إياه بتصور اختزالي لا يكشف عن حقيقة النظرية العلمية،لأنه من اجل التحقق التجريبي لهذه النظرية لابد من إضافة فروض جديدة تتجاوز هذه النظري  ولا تنتمي إلى المسلمات الأصلية  التي انطلقت منها تلك النظرية( وهذا ما يضعها في مجازفة خطيرة) إلا أنها يجب أن تكون منسجمة معها وهذه الفروض هي التي تغني هذه النظرية وتنقدها من عزلنها التجريبية.

من هنا يمكن القول أنه:

1-    لا وجود لنظرية تمنح لنفسها وحدها نتائج تجريبية ملموسة.

2-    لا تتم أي تجربة علمية بدون مساعدة تجربة أخرى.

وبالتالي فان ما يمنح للنظريات العلمية قيمة متزايدة هو تنوع وتعدد الاختبارات التجريبية والمقارنة بينها ، إلا أن اختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة ،أو بين نظريات متعددة هو الذي يحتل الصدارة في التكوين الفعلي للنظريات العلمية.

2- معيار القابلية للتكذيب والتزييف:

أما كارل بوبر فيرى أن معيار علمية  نظرية ما هو قابلية منطوقها للتفنيد والتكذيب، أي قدرة العالم على وضع صياغة دقيقة للنظرية العلمية وتحديد الشروط والنتائج المحتملة التي يمكن أن تفند تلك النظرية وتكذبها . وبالتالي فإذا كان منطوق هذه النظرية غير قابل للتكذيب فلا يمكن اعتبارها نظرية علمية – حتى وان لم تكن كاذبة أو فارغة من المعنى بل وحتى لو كانت صحيحة - فعدم قابليتها للتكذيب   يجعلها خارج المجال العلمي.

هكذا يشكل معيار القابلية للتكذيب أو القابلية للاختبار أساس النظريات العلمية لتبين خطئها وإبراز العيب فيها وكل نظرية غير قابلة لمثل هذا الاختبار ليس علمية.

وآنذاك يمكن القول أن هذه النظرية – القابلة للتكذيب والاختبار – نظرية علمية ملائمة ، ولا يمكن الجزم بكونها صادقة بشكل مطلق ، ما دمنا لم نجد ما يكذبها  رغم تعدد الاختبارات وتنوعها وبالتالي عدم أيجاد ما يكذبها أو يفندها.

                                                                 الأستاذ يجَ عمر

                                      

                                           مفهوم العلوم الإنسانية  انجاز يج عمر

التأطير الإشكالي للمفهوم:

إشتهر الإنسان مند بداياته الأولى بفضوله ، ومحاولة التعرف على كل ما يحيط به من اشياء ، فمعرفة  خصائص الأشياء كانت  سبيله لتوظيف هذه الأشياء لتحقيق حاجياته ورغباته ، ولإرضاء رغبته في التحكم في الطبيعة ، هذه الرغبة التي ستظهر بشكل جلي مع تطور معرفته، ففي البداية كان  هدف الإنسان الإنسجام مع الطبيعة والعمل على استرضائها واتقاء شرها ولكن  مع اكتشافه للقوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية أعلن رغبته في السيطرة على الطبيعة وإخضاعها لرغبته ، ولكن فضوله لم يتوقف عند هذا الحد فمعرفته المتزايدة بالطبيعة والعالم الخارجي ، دفعته الى التفكير في معرفة  الإنسان ذاته ، وإخضاعه للدراسة العلمية مثلما اخضع الظواهر الطبيعية لهذه الدراسة .

 ولقد إكتشف الإنسان أن معرفته لم تتطور إلا لما أخضعها لمنهج دقيق يقوم على خطوات محددة ، وعلى مناهج تعتمد التجربة والحسابات الرياضية الدقيقة لادخل فيها لأرائه الشخصية ورغباته أي لذاتيته اي ان المعرفة العلمية هي تلك المعرفة التي تقتضي خروج الإنسان من ذاته  في اتجاه الموضوعات التي يدرسها . ولكن كيف يمكنه الخروج من ذاته إذا كان بالضبط يريد دراسة ذاته. عن هذه العلاقة المتوترة بين الذات والموضوع هو ما أكتشفه الإنسان عندما حاول إنشاء علوم إنسانية . فإذا كان النجاح الباهر الذي حققه الإنسان في العلوم الطبيعية نابع من قدرته على التجرد من ذاتيته ودراسة هذه العلوم بموضوعية بوصفها اشياء خارجية ، فكيف يمكنه ان يدرس سلوكاته وأفكاره، وقيمه ومعتقداته  وغيرها ويصدر حولها أحكاما موضوعية ويتجرد من كل ذاتية ومن تاثير تلك القيم التي تشبع بها منذ نشاته؟

من هنا وجد الإنسان نفسه امام إشكال قيام علوم إنسانية: فهل بإمكان المناهج التي إختبرها في العلوم الطبيعية ان تسعفه في دراسة ذاته ومجتمعه؟ وهل بإمكانه ان يخضع نفسه ومجتمعة لتلك المناهج التجريبية التي اخضع لها الظواهر والكائنات الطبيعية الأخرى؟  وهل تسمح له كرامته بذلك؟وهل يمكن ان يخرج من ذاته ويدرسها كما يدرس ظواهر خارجية عنه؟ هل يمكنه ان يقدم تفسيرا موضوعبا لكل تصرفاته وقيمه التي يؤمن بها ايمان عميقا؟ ام انه يجب ان يجد منهجا جديدا يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ويحفظ للإنسان كرامته ؟ وفي هذه الحالة هل ستكون هذه المناهج فعالة  مثل مناهج العلوم الطبيعية؟

                                   المحور الأول موضعة الظاهرة الإنسانية:

1-     عوائق موضعة الظاهرة الإنسانية جان  بياجي:

يرى جون بياجي:  انه من الصعب  قيام دراسة موضوعية للإنسان وبالتالي نشوء علوم إنسانية على غرار العلوم الحقة،وذلك لأن الإنسان يكون في نفس الوقت ذاتا وموضوعا للدراسة  وهذا ما يجعل قيم الإنسان ومواقفه الإيديولوجية تتدخل بشكل كبير في هذه العلوم.

  ويبين أن ظهور العلوم الإنسانية المتأخر مقارنة  بالعلوم الأخرى، خاصة  إذا ما أخدنا مثال الفيزياء التي تأخرت عدة قرون مقارنة مع الرياضيات ، يدفع إلى اعتبار الوضعية التي توجد عليها  العلوم الإنسانية أمرا طبيعيا  وبداية متواضعة، ويجعل الآمال المعقودة على تطورها وتحقيق إنجازات علمية في مجالها  مشروعة وقائمة.

إلا أن الوضعية الابستمولوجية للعلوم الإنسانية -- مقارنة مع العلوم التجريبية— حيث تتداخل الذات الدارسة مع موضوع الدراسة يجعل  من الصعوبة بمكان القيام بدراسة موضوعية لتدخل الأحكام الذاتية وقيم الدارس، وذلك لكونه منخرطا وملتزما بهذه القيم ، فالإنسان في هذه العلوم هو في نفس الوقت الدارس (الذات)والمدروس (الموضوع) وهذا ما يجعله يحتكم إلى حدسه ويجعل دراسته تبتعد عن الموضوعية اللازمة لكل دراسة علمية.

فالتزام الباحث وانخراطه في الحياة التي هي موضوع دراسته يجعل قيام علوم موضوعية أكثر صعوبة  بل ان دراسته لهذه الظواهر قد تؤثر على هذه الظواهر وتغير من طبيعتها على العكس من العلوم الطبيعية حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع.

2-    فرنسوا باستيان:

الأطروحة : عن العلوم الإنسانية  علوم تقوم على مفارقة اساسية والتي تتمثل في علاقة الذات بالموضوع فالعلم الإجتماعي هو في نفس الوقت الذات الدارسة والموضوع المدروس ، وبالتلي فهذا الدارس لايمكن ان يتخلى عن ذاتيته وقيمه التي تشبع بها وان ينظر اليها كاشياء خارجية ،هذا التخلي عن الذاتية هو شرط كل بناء علمي حقيقي ،لايمكن للعالم الإجتماعي ان يحققه حتى لو رغب فيذلك.

  يرى فرنسوا باستيان  ان العلوم الإنسانية (الاجتماعية )  تقوم على  مفارقة فكونها علوم يفترض فيها انفصال الذات وحيادها إزاء موضوع الدراسة   ( أي قيام دراسة موضوعية ) إلا إن الإنسان في هذه العلوم هو الذات والموضوع في نفس الوقت ، من هنا صعوبة قيام دراسة موضوعية ( والتي هي شرط لكل علمية) ما دام الدارس الذي هو عضو منخرط في جماعة معينة وملتزم ايديويوجيا ويحمل قيما أخلاقية معينة مما يجعل من غير الممكن دراسة الوقائع الاجتماعية بحياد أو موضوعية ( سواء كان الأمر يتعلق بدراسته لجماعته او لجماعة اخرى تملك قيما مخالفة للتي يؤمن بها).

 ولقد وظف النص آلية  الاستشهاد بقولة نوربرت الياس الذي  يرى انه عكس العلوم التجريبية التي لا يحتاج الباحث لتفسير الظواهر الطبيعية  فيها  إلى الالتحام معها وتخيل نفسه كجزء منها ، فإنه لفهم  الظواهر الإنسانية ونمط اشتغالها لابد من الانخراط والمشاركة الفعالة في تلك الظواهر.

وهذا التأكيد يتنافى مع ما حاول مؤسسوا العلوم الإنسانية ( الاجتماعية)  نفيه  لكونه يتعارض مع قيام علوم إنسانية موضوعية شبيهة بالعلوم الحقة وهذا ما أشار اليه دوركايم  حينما أعتبر الوقائع الاجتماعية أشياء  وماكس فيبر الذي دعا إلى ضرورة التزام الموضوعية والحياد القيمي  الذي يقوم على التمييز بين الأحكام الواقعية و الموضوعية (أحكام كونية علمية) والأحكام القيمية (النسبية) التي يجب الإبتعاد عنها.

                   المحور الثاني:  التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

1-      الظاهرة الإنسانية بين التفسير والتنبؤ كلود ليفي ستروس:

الإشكال المطروح:

هل الظواهر الإنسانية قابلة للتفسير- مثلها مثل الظواهر الطبيعية – أو أنها تقبل فقط الفهم ، أم أن عليها أن تجمع بينهما؟

يقول غاستون غرانجي " التفسير هو كشف العلاقات  الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع. واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنتج عنها. إنه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة  معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تشكل ترسيمة  أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة..." عكس الظواهر الإنسانية  التي تقوم على الفهم حيث تهدف نقل-  بصورة حدسية-  إحساسا أو تقديرا  أو انفعالا ما... إلا أن هذا الفهم له حدود لا يجب تجاوزها وإلا أصبح نوعا من الأساطير أو السحر..

يقول دلتاي:" نطلق الفهم على السيرورة التي نعرف من خلالها ما هو باطني اعتمادا على علامات ندركها من الخارج بواسطة حواسنا..."

يقول جيل مونرو  "فالخاصية المميزة للفهم هي البداهة  والوضوح . وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح بحيث يكون كافيا ومكتفيا بذاته...

بخلاف العلاقات القابلة للفهم فإن العلاقات التفسيرية هي علاقات ... تقوم على الاعتقاد بصحة جملة من الطرائق  والإجراءات الموضوعية  فالفهم هو بداهة مباشرة ، في حين  أن التفسير هو تبرير أو تعليل حدوث ظاهرة بافتراض ظاهرة أخرى"

أطروحة ستروس:

تقدم العلوم الطبيعية يرجع في جزء كبير منه إلى الجمع بين التفسير والتنبؤ، بينما تبقى محاولة العلوم الإنسانية الجمع بينها تسير في اتجاه سيء مما تجعلها تبقى في منتصف الطريق بين الفهم  حيث لا تقدم في الغالب إلا تفسيرات فضفاضة، بينما لا يحالف النجاح تنبؤاتها في كثير من الأحيان ولكنهذا لايعني عدم جدوى هذه العلوم  بل هذا يكشف عن موقف أصيل فيها يجمع بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة  .

حجاج النص:
           يبين النص انه رغم عدم وجود علاقة ميكانيكية بين التفسير  والتنبؤ داخل  العلوم الدقيقة ، إذ نلاحظ أن العلوم الطبيعية بإمكانها أن تقدم تفسيرات لظواهر لا تقدر على  التنبؤ بها أو العكس التنبؤ بظواهر لا تستطيع تفسيرها ، فإن  الجمع بينهما  شكل احد أهم الأسباب في نجاح وتقدم هذه العلوم .وبالتالي فإن هاتين العمليتين ( التفسير والتبؤ) تكونان موضوعا للتجريب والتصحيح بشكل مستمر.

ولكن  الوضعية الابستمولوجية  للعلوم الإنسانية ومحاولتها  الجمع بين هاتين العمليتين جعلها في وضعية صعبة وتسير في اتجاه سيء، إذ لم تستطيع تقديم تفسيرات  دقيقة بل فقط  فضفاضة للظواهر المدروسة ولا تنبؤات دقيقة وصحيحة بل في الغالب خاطئة ،وهذا ما جعلها تقف  في وسط الطريق بين التنبؤ والتفسير. إلا أن قيمتها النظرية و النفع العملي لها   يكمن بالضبط في مدى قدرتها على الموازنة  بين التفسير والتنبؤ ، وذلك بطريقة أصيلة تتلاءم مع خصوصيتها مما يجعل المعارف التي تقدمها تكتسي طابعا معرفيا خالصا من جهة وطابعا  نفعيا عمليا من جهة أخرى وهذا يتطلب عدم الفصل بين التفسير والفهم.

2-    الإنسان يفهم  دلتاي :

الأطروحة : على العلوم الإنسانية( العلوم الروحية) ان تتخد منهجا يتلاءم مع الظواهر المدروسة وهذا من حقها ، فكما إتخدت العلوم الطبيعية منهجا خاصا بها   هو المنهج التفسيري الذي يتلاءم مع الظواهر الطبيعية ، فعلى العلوم الروحية ان تكيف منهجها مع الظواهر التي تدرسها والتي تحتاج الى منهج يقوم على الفهم.

   فعلى العلوم الإنسانية عكس ما يدعيه أصحاب المنهج الوضعي الابتعاد عن المنهج التفسيري  أو التجريبي الذي تتخذه  العلوم الطبيعية، وتبني منهجا خاصا يتلاءم مع  خصوصية موضوعها ( الظواهر الإنسانية) . لأن إتباع واتخاذ منهج العلوم الطبيعية لا يشكل معيارا للعلمية بل ،إن هذا المعيار يجب أن يكون هو التشبه بالعلماء الطبيعيين الذين بنوا منهجا خاصا  يتلاءم مع الموضوعات والظواهر التي يدرسونها. أي أن تبني العلوم الإنسانية( الروحية) منهجا يتلاءم مع الظواهر الإنسانية  وهذا ما يشكل معيار علميتها الحقيقي.

فالظواهر الطبيعية تبدو للدارس ظواهر معزولة وخارجية عن الذات ، وبالتالي يتم تفسيرها بواسطة استدلالات عقلية تقوم على الفرضية والتجريب، آما الظواهر الإنسانية  فتقدم نفسها للعقل كظواهر حية وكمجموع كلي ومترابط من المعطيات والوظائف النفسية والعقلية والعناصر المكونة لها،  تدرك بشكل كلي بواسطة التجربة الداخلية أي الوعي  الداخلي (الفهم)وهذا ما يجعلها قابلة للفهم وليس للتفسير مثل الظواهر الطبيعية.

من هنا ضرورة تفرد العلوم الإنسانية بمنهج خاص بها يقوم على فهم الظواهر الإنسانية ولا يسعى إلى تفسيرها.

 

                                          المحور الثالث : نموذجية العلوم التجريبية:

1-    العلمية المشروطة: فيليب لابورط - طوها وجان- بيير وانيي:

الأطروحة: إن الوضعية الإبستمولوجية التي تجد العلوم الإنسانية نفسها امامها والناتجة عن تعقد موضوعها وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها من جهة ، وتداخل الذات والموضوع من جهة أخرى إضافة الى حداثة عهدها  يجب ان لاتكون عائقا بل يجب ان تعطي نموذجا ومثالا يحتدى وذلك بالإحتياط المنهجي من خلال الوعي بهذه العوائق وتكييف مناهج الدراسة معها.

فإذا كانت حداثة العلوم الإنسانية وتعقد موضوعها وغناه وعدم انتظام الظواهر التي تدرسها ،عكس ما هو ملاحظ في العلوم الطبيعية فإن المنهج الذي يجب ان يطبق على هذه العلوم يجب ان يتصف بالحذر ، وان يكون اكثر تطورا من مثيله في العلوم الطبيعية التي تعتمد بشكل اساسي على التجربة.

 إن تداخل الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية ،يفترض قدرة الذات ان تحرر من ذاتها وتدرس موضوعها بوصفه شيئا مخالف أي لا-أنا أي فهم الآخر المخالف. فالملاحظ في العلوم  الإنسانية هو طرف( موضوع للدراسة) وحكم ( الذات الدارسة ) في نفس الوقت ، وهذا ما يجعل الإقتداء بالعلوم الطبيعية صعبا ( حيث يلاحظ انفصال الذات عن الموضوع) ، إلا ان هذه الصعوبة يجب ان لاتكون عائقا  امام  قيام دراسة علمية إنسانية  بل يجب ان تكون  دافعا وهدفا ومثالا ينيغي قصده في كل بحث  ، فإدراك الباحث لهذه الصعوبة يساعده على الأقل جزئيا على الحذر منها والعمل على تجاوزها ووضع مسافة بينه وبين الموضوع ( اللا- انا) .

فإدراك العلوم الإنسانية لهذه الخاصية ،حضور الذات، هو عامل يدفعها لإحتياطات منهجية إضافية، تمكنها من الدراسة العلمية، خاصة إذا علمنا انه حتى في العلوم الطبيعية ليس هناك قطيعة نهائية او تامة بين الذات والموضوع ما دامت الفيزياء المعاصرة  نفسها تأخد بعين الاعتبار عامل تدخل الملاحظ، و بالتالي فهذا فقط يتطلب  تكييف المنهج العلوم الإنسانية مع الموضوع المدروس.

2-      حدود العلم الموضوعي : موريس ميرلوبونتي:

الأطروحة: يرى ميرلوبنتي أن الذات  وتجربتها في العالم المعيش هي أساس كل علم ومعرفة ، فكل علم  مصدره وجهة نظر خاصة بالذات وبالتالي فالحديث عن موضعة الدراسة الإنسانية ،نظرة خادعة  تجعل العالم مستقلا عن الذات في حين انه يوجد من أجل الذات ويتحدد من خلالها.

يبين النص أن كل ما تعرفه الذات عن العالم- ولو كان مصدره العلم- ينطلق من وجهة نظر خاصة بها ومن خلال تجربتها المعيشية وبدون هذه النظرة أو التجربة  لن يكون أي معنى للرموز العلمية. لأن العلم يبنى أساسا  انطلاقا من العالم والتجربة المعيشة . فالعلم ليس إلا تعبيرا  بعديا  عن  العالم المعيش الذي هو سابق عليه ، و الذي يقدم  العلم تفسيرا له.

انطلاقا من ذلك فإن الدراسة الموضوعية ( الخارجية) للإنسان لا تقدم حقيقة هذا الإنسان ولا يمكنها النفاذ إلى ذاته  ، وبالتالي  فلا يمكن للدراسات العلمية سواء للعلوم الطبيعية مثل علم الحيوان او العلوم الإنسانية مثل المورفولوجيا الإجتماعية او علم النفس اوالتاريخ  او غيرها تقديم صورة متفردة وحقيقة للذات  لأن وجودها لا يتحدد من خلال محيطها  المادي أو الاجتماعي ،بل وجود الذات هو الذي يحدد ويدعم هذه المحددات ، فالذات  توجد بشكل متفرد من أجل ذاتها ولا توجد في مكان أحد أخر أو يوجد احد في مكانها –  وهذا ما يستبعد مفهوم الموضوعية التي تركز على ما هو موضوعي ولا شخصي  - إن الذات تمثل ما هو شخصي ومتفرد وما هو خاص تعيش لذاتها ومن أجل ذاتها وتنظر إلى العالم وفق منظورها الخاص.

من هنا فإن  النظر إلى الذات من منظار الموضوعية العلمية وتحويلها الى مجرد لحظة من لحظات العالم وذات مثل الذوات والأشياء الأخرى ، هي وجهة نظر خادعة تقوم على مسلمة وجود عالم موضوعي منفصل عن الذات وتجربتها المعيشة ، في حين ان العالم مرتبط أساسا بالتجربة المعيشة للذات.

                                       

العلوم الانسانية                      نموذج  علم الاجتماع   انجاز يج عمر

                             المحور الاول: موضوع علم الاجتماع:

1- دوركايم موضعية الوقائع الاجتماعية:

يرى دوركيم رورة تحديد موضع علم الاجتماع قبل  البحث عن المنهج الكفيل تطبيقه لدراسة الظواهر الاجتماعية ، وبالتالي تحديد ما المقصود بالواقعة الاجتماعية ، لن كامة اجتماعي كثيرا ما تستعمل بمعنى عمومي جدا حيث تطلق عى جميع الظواهر الانسانية .

فالاكل والنوم والتفكير  وغيرها إذا نظر اليها كواقائع اجتماعية فلن يكون لعلم الاجتماع موضوعا خاصا به وستتداخل معه علوم اخرى مثل البيولوجيا والسيكولوجيا ...

ألا ان هناك ظواهر مختلفة  في كل مجتمع تتميز بخصائص واضحة ، تختلف عن تلك التي تدرسها العلوم الاخرى .فوجود ادوار اجتماعية ،وواجبات ، والتزامات مرتبطة بالقوانين والتشريعات تفرض نفسها على الفرد ، والعادات الاجتماعية ، بوصفها وقائع موضوعية لانها ليست من صنع الفرد نفسه – رغم شعوره الداخلي بواقعيتها – ولكن تلقاها بواسطة التربية من الخارج أي المجتمع.

والدليل على ذلك اننا كثيرا ما نجهل تفاصيل الواجبات التي نحن مطالبين بها فنضطر للاستفسار عنها والبحث عنها في المراجع والكتب المختصة.ونفس الشيء يمكن قوله عن المعتقدات الدينية التي يجدها الفرد مكتملة امامه حتى قبل بروزه الى الوجود. فاللغة وطرق التفكير والتعبير والنظام النقدي والأدوار الاجتماعية والمهنية كلها تشتغل باستقلال تام عن الفرد ، واستخدماته الخاصة لها . هذه الظواهر كلها تلتقي في خاصية اساسية هي انها توجد خارج وعي الفرد وتتصف بالالزام والاكراه ، وتفرض نفسها عليه ، رغم ان الفرد يشعر انه يلتزم بها بطريقة ارادية .

هذا الطابع الخاص والمميز لهذه الظواهر  هو مايميز ويسمح لنا باطلاق الواقعة الاجتماعية عليها . وهذه الواقعة هي موضوع علم الاجتماع ، انها وقائع تتميز بالاكراه الخارجي والاستقلالية عن الفرد، وتفرض عقوبات على من يحاول تجتهلها ، وهي تتميز بالثباتوالإكراه والخارجية ، والعموميةوالاستقلالية عن الظواهر الفردية.

2-  لوسيان غولدمان :صعوبة بناء الموضوع الاجتماعي:

يقوم لوسيان غولدمان بنقد التصور الموضوعي الذي يؤسسه دوركايم مبينا ان دوركايم يتجاهل مدى امكانية تحقيق عالم الاجتماع في الواقع الحياد واللالتزام بالموضوعية، أي مدى امكانية دراسة الوقائع الاجتماعية ك"اشياء" خارجة عن الفرد .

وينطلق في نقده من قولة لدوركايم حدد فيها مفهوم الجريمة بانها كل فعل يعاقب الفرد على فعله ، أي رد فعل المجتمع عندما يقوم الفرد بافعال معينة مبينا ان هذه الجريمة تصبح موضوع علم الجريمة.

هذا التعريف الذي يقدمه دوركايم يحلله غولدمان  مبينا ان تعريف يتصف بالشمولية والعمومية ،بحيث يضم وقاع اجتماعية متنوعة ومختلفة ولارابط بينها ، هكذا يشمل هذا التعريف مثلا طرد المسيح للتجار من المعبد نونشاط الثوريين مثل ماركس ولينين من جهة ومن جهة اخرى سرقة ،او جريمة قتل وقعت.

منهذه الامثلة الواقية يكشف غولدمان ،ان دوركايم يتجاهل احكام القيمة ويعتبرها مجرد بقايا – ستزول قريبا- ترجع الى حداثة علم الاجتماع مقارنة مع الفيزياء والرياضيات ، وعلى العكس من ذلك يبرز النص ان الوضع مختلف تماما في علم الاجتماع والعلوم الانسانية حيث نجد اختلافا جدريا في المواقف فليس هناك اجماع ضمني او صريح حول هذه القيم –بخلاف العلوم الحقة- فمثلا وصف الثوري بالمجرم قد يهذف الى اخفاء حقيقة ذلك الثوري. وبالتالي يستنتج النص ان الدارس في علم الاجتماع غالبا ما يدرس موضوعه ويقاربه انطلاقا من مفاهيم وقيم قبلية لاواعية تسد الطريق امام الفهم الموضوعي للوقائع الانسانية أوالاجتماعية.

                                       المحور الثاني: مسالة المنهج

1- ماكس فيبر: المنهج التفهمي

يرى فيبر ان السلوك الانساني في مظاهره الخارجية أو الداخلية يتميز بترابطات وانتظمات خاصة تجعله يتطلب الفهم والتأويل.

فالسوسيولوجيا التفهمية تتمثل في دراسة السلوك الانساني او الاجتماعي الذي يتميز ب:

1- كونه سلوك يرتبط بسلوك الغير ويتميز بالدلالة والقصدية والذاتية.

2- هذا السلوك يتميز بالتطور ويكون مشروطا بهذه العلاقة الدالة والبينذاتية.

3- ويكون قابلا للتفسير بطريقة تفهمية انطلاقا من الدلالة والقصد الذاتي لفاعله .

ويمكن ايضا اعتبار الظواهر العاطفية  جزءا من الظواهر التي تتضمن معنى ذاتيا في العلاقة مع الغير :فالحالات الشعورية مثل الاحساس بالكرامة والغيرة والتكبر والحسد....لايهمنا فيها الجوانب الفيزيولوجية ولا السيكوفيزيائية بقد ما يهمنا فيها دلالتها القصدية ،وبذلك تكون  السوسيولوجيا –عكس العلوم الحقة –تتاسس على المقاربة التفهمية ، أي دراسة العلاقات الدلالية النموذجية التي يتسم بها السلوك المعبر عن ذه الظواهر في مظاهرها الخارجية.

2- أيان كريب: التحليل والتفسير في النظرية الاجتماعية:

ينطلق النص من ضرور تحديد مفهوم السبب في علم الاجتماع ، اذ لايكفي النظرة في علم الاجتماع ان تقترح ان هذا سبب ذاك ،بل لابد لها من تفسير كيف تقع عملية السببية تلك.

في حالة المجتمع هناك تصور بنيوي لمفهوم السبب،إذ ان السبب لايكمن في حادثة بعينها ،بل يكمن في ترتيب معين للعلاقات ،هذه العلاقات تحدد اطارا وتشكل آلية سببية –مثال زر الاضاءة- تؤدي إذا حركت الى نتائج معينة .ويجب على النظرية ان تحدد وتحلل نوعية الظروف التي تجعل هذه الآلية تعمل ...

الا ان هناك شكلا آخر للتفسير ،هو ذلك التفسير الذي يتناول تفسير افعال الفاعلين الاجتماعيين ، فهذا التفسير لأفعال البشر واسباب افعالهم له بنية مختلفة عن الآلية والبنية التي سبق شرحها. وعن مفهوم السبب المشاراليه سابقا.

فالفاعلون يتأملون أفعالهم ويتخدون قرارات وفق حسابات محددة ومقاصد ونوايا خاصة بهم .

وعندما نتكلم عن السبب فعل ما في الحياة اليومية ،فذلك يشمل مجموعة من الأمور أهمهاقصد الفاعل ،أي الوضع الذي يريد ان تكون عليه الأمور او قصد الفاعل وهذا ما نسميه بالتفسير الغائي . حيث تكون النتيجة النهائية موجودة في قصد الفاعل بشكل مسبق،أي ان النتيجة هي  السبب. وغن كام هماك نقاش وجدل واسع جدا حول هذه الطريقة في التفسير ومدى صحتها ،الا انني اعتقد ان التفسير الغائي على صعيد الممارسة متضمن بالفعل في كل الأشكال النظرية الاجتماعية التي تتحدث عن الفعل الانساني.

                                   المحور الثالث النظرية الاجتماعية:

انطوني غودنز النظريات الاجتماعية:

يبن غودنز ان هدف علماء الاجتماع كان تعبير عن الرغبة في فهم التغيرات والتطورات التي لحقت مجتماعاتهم بعيدا عن التفسيرا المجردة التي كانت سائدة في تلك الفترة ،والعمل على تطوير الوسلائل الكفيلة بدراسة هذه المجتمعات وادراك طبيعة التغير الاجتماعي. حيث نجد اختلافا كبيرا بين المناهج التي اتبعها هؤلاء . فنجد تركيز كل من دوركايم  وماركس على قوة المؤثرات الخارجية على الفرد في حين ان فيبر انطلق من قدرة الفرد على التاثير بطريقة خلاقة على العالم الخارجي.، واذا كان ماركس ركز على هيمنة القضايا الاقتصادية ،توسع فيبر في دراسة مجموعة من العوامل الاخرى. ...هكذا تطورت واستمرت وتواصلت الاختلافات بين الدارسين الاجتماعيين وتنوعت اساليب المقاربة والمناهج المتبعة وحتى عند الاتفاق على موضوع التحليل تمت معالجته من زوايا مختلفة.هكذا يرتبط اسماء هولاء الباحثين دوركايم  ماركس، فيبرباتجاهات نظرية او مدارس حديثة هي المدارس: الوظيفية، والصراعية، ,التفاعلية الرمزية،والتي يقوم النص بتحديدها وابرازالاسس التي تقوم عليها.

 

                                            المدارس الاجتماعية التي يتناولها النص

 

الوظيفية

 

منظور الفعل الاجتماعي

 

التفاعلية الرمزية

 

ترى ان المجتمع نظام معقدن تعمل جميع مكوناته واجزاءه سويا لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته. بحيث يكون علم الاجتماع هو الكشف عن العلاقات بين هذه المكونات بعضها ببعض وعلاقتها مع الكلز مثال  تحليل المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعيةباظهار صلتها بالمؤسات الاجتماعيةلأن اجزاء المجتمع تنمو بصورة متقاربة مع بعضها البعض.

منهنا ظرورة دراسة الوظيفة التي تؤديها الممارسات الاجتماعية من خلال ما تقدمه من الحفاظ على وحدة وديمومة المجتمعح حيث كثيرا ما يلجا دوركايم وكومت لمقارنة المجتمع بما شبهه من كائنات عضوية.

بحيث يعتقد هؤلاء ان ااجزاء المجتمع تعمل سويا ووبصورة متناسقة ومتكاملة وتهدف الى وظيفة اساسية ونهائية مثل ما هو الشان في الاجسام العضوية الحية. من هنا ضرورة ابراز الدور الذي تقوم به اجزاء المجتمع فيالحفاظعلى المجتمع وعافيته ووحدته.

فهذه المدرسة تشدد على اهمية الاجماع الاخلاقي في الحفاظ لىالنظام والاستقرارفي المجتمع  من خلال اشتراك اعضاء المجتمع في نفس القيم.- الدين مثلا يؤكد التمسك بالقيم الاجتماعية الجوهرية ، ويسهم في صيانة التماسك الاجتماعي,
 

إذا كان المنظور الوظيفي والصراعي يؤكد على اهمية البنى الاجتماعية في توجيهالمجتمع والتاثير على سلوك الافراد .نجد على العكس من ذلك تاكيد نظريات الفعل الاجتماعي على اهمية الفعل والفاعل والتفاعل بين اعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى. بحيث تعتبر ان دور علم الاجتماع ليس ابراز تاثير هذه البنى على الأفراد ولكن البحث عن المعاني التي يكتسيها الفعل الاجتماعي والتفاعل.وبالتالي تحليل الاسلوب الذي يتصرف به الفاعلون ويتفاعلون به فيما بينهم من جهة ومع المجتمع من جهة اخرى.وليس طرح النماذج النظرية التي يشتغل بها المجتمع كما تفعل المقاربات الصراعية والوظيفية.

ويعتبر فيبر في الغلب هو اول الداعين الى تبني هذا المنظور الاجتماعي. إذ رغم اعترافه باهمية البنى الاجتماعية كالطبقات والأحزاب وغيرها فإنه اعتبر ان هذه البنى هي من خلق الافراد.وقد تم تطوير هذا الموقف في طار المدرسة التفاعلية الرمزية  التي برزت في الولايات المتحدة الامريكية بصورة خاصة.والتي تاثرت بشكل غير مباشر بفيبر واساسا باعمال جورج هربرت ميد.

 تهتم هذه المدرسة بالقضايا المتصلة باللغة والمعنى  اذ يرى ميد ان اللغة تمكننا من الوعي الذاتي والاحساس بالفرديةورؤية انفسنا من الخارج مثلما يرانا الآخرون. حيث يشكل الرمز العنصر الرئيسي. والرموز تشمل ايضا الايماءات الغير الشفوية واشكال التواصل الاخرى . فميد يرى ان البشر يعتمدون على رموز وتفاهمات ومواضعات مشتركة في تفاعلهم مع بعضهم البعض.وبالتالي لكون عالم البشر زاخر بالرموز المختلفة فان جميع عمليات التفاعل بين الافراد تشمل تبادل الرموز .فالتفاعلية الرمزية توجه انتباهناالى تفصيلات التفاعلات الشخصية والطريقة التي تعطي بها معنى لما يقولهه ويفعله الاخرو،. وينوه اصحاب هذه المدرسة بالدورالذي تؤديه هذه التفاعلات في خلق المجتمع ومؤسساته.

ولاشك في اهمية هذه المدرسة في تقديم اضاءات على افعالنا الا انها تعرضت لنقد واسع لانها تهمل قضايا اساسية التي تتعلق بالسلطة والبنى في المجتمعوبالطريقة التي يفرضان بها القيود على الفعل الفردي.

 

هذا الاختلاف الكبير في نظريات علم الاجتماع مؤشر على حيويته ويجب اعتباره موطن قوة لا وطن ضعف كما يعتقد البعض.

ويتفق جميع علماء الاجتماع على ضرورة وضع الاراء الشخصية جانبا والالتزام بنوع من الموضوعية والحياد،وضرورة التاني في دراسة الظواهر الاجتماعية المؤثرة في سلوكنا والآخرين. فعلم الاجتماع ليس مجد مجهود نظري تجريدي بل ينطوي على مضامين عملية لحياة الناسزوهذا يتطلب مجهودا فكريا يقوم على الخلق والابداع وربط الاراء والنتائج الاجتماعية بالاوضاع والمواقف التي واجهها الفرد في حياته.وضرورة ادراك جوانب الاختلاف بين مجتمعاتنا والمجتمعات الاخرى بطريقة ايجابية.

إنجاز:يج عمر استاذ الفلسفة                   المفهوم  الثالث: مفهوم الحقيقة

التأطيرالإشكالي  

1-    الدلالات اللغوية والاصطلاحية:    

الحقيقة: حق الأمر :صح وثبت وصدق .

حق الأمر تيقنه وصدقه.

حسب الجرجاني في التعريفات :" الحقيقة اسم لما أريد به ما وضع له . وهي فعلية من حق الشيء إذا ثبت ... هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح يتم به التخاطب ( في مقابل المجاز)  و الشيء الثابت قطعا ويقينا. ويقال حق الشيء إذا ثبت . وهي اسم للشيء المستقر في محله، وما به الشيء هو هو ( ماهية الشيء) كالحيوان الناطق للإنسان."

" الحق في اصطلاح أهل المعاني هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والمذاهب ... باعتبارها تشتمل على ذلك . ويقابله الباطل . والصدق قد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب. وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته للواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه." .

2-    الدلالة الفلسفية:

لالاند " الحقيقة هي خاصية ما هو حق وهي القضية الصادقة ، وما تمت البرهنة عليه ، وشهادة الشاهد الذي يحكي ما فعله  وما رآه ، والحقيقة بمعنى اعم هي :الواقع"

" والحق  أو الصادق هو خاصية الحكم الجازم الذي يستوجب الموافقة التامة عليه . وما هو موجودا فعلا وواقعا... والشيء الأصيل في مقابل المزيف."

الرأي :الاعتقاد ، العقل التدبير ، النظر والتأمل  ... الرأي عند الأصوليين استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة.

التقابلات

الحقيقة/ الكذب  الحقيقة/ الغير الواقعي ، الغير اليقيني،الباطل.

الواقعي/ غير الواقعي ،  المزيف.

الصدق/ الكذب

جوهر الشيء وماهيته الثابتة/ الأعراض ، الزائلة والمتغيرة.

يقيني/مشكوك فيه ظني

هذه التقابلات تطرح مجموعة من الإشكالات والتساؤلات:

الحقيقة والواقع  : 

إلا يلاحظ أن هناك أشياء واقعية غير حقيقية فالكذب نفسه يوجد في الواقع... كما إننا نعتبر كثيرا من الأشياء غير موجودة واقعيا

حقائق...فالذهب المزيف واقعي مثله مثل الذهب الخالص.

الحقيقة  تكمن في الحكم أو القضية

فقولنا هذا ذهب حقيقي  ؟ هي قضية قد تكون صادقة او غير صادقة  كيف؟ أي أن الأمر يتعلق ليس بالمعدن الذي نشير اليه بل بحكمنا عليه ، فالحكم هذا ذهب هو الحقيقي ام غير حقيقي . بينما المعدن الذي نشير اليه طبيعته هي هي ، فالقضية ستكون صادقة إذا ما طابقت طبيعة الشيء الواقع وستكون كاذبة( غير حقيقية إذا لم تتطابق معه). وهذا ما يدفعنا الى التساؤلات التالية:

هل الحقيقة توجد معطاة في الواقعي وهل يمكن القول أن الحقيقي واقعي أو أن الواقعي حقيقي؟

أم أن  الحقيقة توجد في العقل والأحكام والقضايا العقلية؟ وكيف يمكن التحقق من كون آرائنا حقيقية أو غير حقيقة أو ما علاقة الرأي بالحقيقة؟ وما هي معايير الحقيقة وهل هناك معيار واحد ام معايير متعددة حقيقة واحدة ام حقائق مختلفة ؟ حقيقة مطلقة أم نسبية؟ وما الذي يجعلنا نرغب في الحقيقة ونبحث عنها ومن أين تستمد قيمتها؟

(هل الحقبقة معطاة ام مبنية ؟ هل هي مطلقة ام مبنية؟لماذا البحث عن الحقيقة؟)

النص المشكلة:

إقرأ نص أفلاطون وبين الإشكال الذي يطرحه النص؟ استخلص تصور أفلاطون للحقيقة.

أسطورة الكهف لدى أفلاطون :

أشخاص مقيدون منذ صغرهم ولا يستطعيون  الإلتفات الى ما وراءهم ، حيث ينظرون إمامهم فقط ويشاهدون مجموعة من ظلال الأشياء التي تعكسها نار وراءهم، وهم لم يروا في حياتهم غير ظلال هذه الأشياء وهذا جعلهم يعتقدون أن تلك الظلال هي حقائق الأشياء. ماذا سيقولون لو تم تحريرهم وخرجوا من الكهف ورأوا صور الأشياء الحقيقية في نور الشمس.

( رموز الأسطورة: الكهف العالم الماذي السفلي المحسوس. ،  القيود: الحواس .  الظلال: الأشياء المعرفة الحسية.   ،  خارج الكهف العالم العلوي والمعقول ، عالم المثل الحقيقي     ،  وضوء الشمس : مثال الخير والمعرفة الحقة ( العقلية) الذي يتوصل إليه بالتحرر من المعرفة الحسية - ومن القيود-، من خلال الجدل الصاعد = بواسطة العقل) =  للوصول الى الحقيقة  لابد من التحرر من المعرفة الحسية والقيود التي تفرضها على الإنسان العادي وحده الفيلسوف قادر الى بلوغ الحقيقة من خلال التامل العقلاني المجرد من كل حس وكل منفعة عملية....

فالحقيقة لا توجد إذن في العالم الحسي والمعرفة الحسية مجرد ظنون لا تملك قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة هي أساسا عقلية ومعقولة ومجردة وتوجد في عالم المثل عالم المعقولات..

وهذا ما يجعلنا نطرح علاقة الحقيقة بالرأي وهل الحقيقة نجدها جاهزة ومعطاة ؟ أم هي بناء عقلي؟

يمكن التمييز بين مستويين من المعرفة حسب برتراند راسل المعرفة بالأشياء والتي تكون مباشرة ولا تحتمل الخطأ فإما إن نعرف الأشياء أو لا نعرفها ، ومعرفة الحقائق ، حيث نعتقد ما هو حق مثلما نتعقد ما هو خاطيء وباطل.

                                    المحور الأول : الرأي والحقيقة:

( هذا المحور تم الإشتغال عليه كحصة تطبيقية حول الكتابة الإنشائية نموذج القولة للمناقشة وهذا ما يتطلب الجمع بين الجانب المنهجي والمعرفي ....)

المطلوب من التلاميذ تأطير قولة مأخوذة من نص بليز باسكال  ومعالجتها ضمن كتابة إنشائية تطبيقا للمنهجية الخاصة بالقولة السؤال.

" نعرف الحقيقة لا بواسطة العقل فقط ، ولكن أيضا بواسطة القلب...إنما ينبغي على العقل أن يستند لتأسيس خطابه بكامله على المعارف (المباديء الأولية) الصادرة عن القلب والغريزة."

حلل وناقش هذه القولة.

-         التأطير الموضوعي والإشكالي :

                 المجزوءة :المعرفة ، المفهوم : الحقيقة.

            الإشكال المطروح هل الحقيقة تدرك بالعقل أم بالقلب؟ وهل هي أراء وحقائق جاهزة ومعطاة؟ أم أنها بناء عقلاني يتعارض مع الراي العامي أو بادئ الرأي؟

-         استخلاص :أطروحة باسكال وحجاجها ضمن التحليل.

-          

-         وتوظيف أطروحة باشلار  في مناقشة وتجاوز أطروحة باسكال

-          وصياغة التركيب

1-    اطروحة باسكال حقائق العقل وحقائق القلب

يبين باسكال :أن العقل وحده لا يمكنه بلوغ الحقيقة كاملة - كما يعتقد العقلانيون -  لأن هناك حقائق ومباديء القلب الأولية التي تشكل منطلقا للبرهنة عن حقائق العقل.

 ( شرح المفاهيم الأساسية )

حجاج النص:

يعتمد النص الإثبات والعرض: مبينا  أن الحقيقة لا تدرك بالعقل وحده كما يعتقد العقلانيون ، لأنها تدرك أيضا بواسطة القلب . فالقلب هوأ ساس المبادئ الأولى التي تشكل منطلق كل استدلال  عقلاني رغم محاولة العقلانيين التشكيك في هذه المبادئ. - وهذا أيضا ما قام به الشكاك البيرونيين دون فائدة- .

وإذا كان العقل لا يستطيع إثبات أو البرهنة عن تلك المبادئ فهذا لا يدل على عدم صحتها ، بل فقط يدل على عجز العقل.

فالمبادئ القلبية  هي مباديء أولية واضحة وصلبة وهي من حيث قوتها وبداهتها أقوى من  تلك التي تقوم على الاستدلال العقلي. وعلى سبيل المثال :المكان والزمان والحركة والأعداد التي ندركها مباشرة بالقلب.

وبالتالي فأن العقل والحقائق العقلية تجد منطلقها وتبني خطابها من تلك المبادئ الأولية، فالاستدلالات العقلية يجب أن تستند إلى المبادئ الأولية القلبية.

ولتوضيح ذلك يلجأ النص إلى التمثيل: القلب يدرك أن المكان يتكون من 3 إبعاد، أو أن الأعداد لانهائية والتي ينطلق منها العقل للبرهنة على عدم وجود عددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.

بذلك يستخلص أن المبادئ يتم الشعور بها وإدراكها بشكل مباشر( محلها القلب) ، أما القضايا فيتم البرهنه عليها واستخلاص بعضها من البعض( محلها العقل.) وكل من القضايا أو المبادئ تتصف بنفس القوة واليقين رغم اختلاف طريقة تحصيلها. وبالتالي فلا يجوز للعقل أن يطلب من القلب البرهنة على مبادئه كي يتوافق معها كما لا يجوز للقلب أن يطلب من العقل الشعور  بالقضايا التي يبرهن عليها ليتلقاها منه.

هكذا يتوصل النص  إلى القول أن كل من القلب والعقل يختص في نوع من الحقائق فالقلب، بالمباديء الاولى والعقل ،بالقضايا مما يجعل الواحد يكمل ألآخر.

(المناقشة :  يمكن توظيف تصور باشلار )    

2-  أطروحة غاستون باشلار الراي مخطيء دوما :

 يرى  باشلار  أن بادئ الرأي مخطئ دوما ولا يقدم حقائق بل يترجم الحاجات إلى معارف، والحقائق العلمية مناهضة دوما لباديء الرأي وهذا يعني أنها بناء عقلاني ينطلق من طرح الأسئلة الصحيحة والإجابة وفق منهج دقيق. ( نفي لوجود حقائق تقوم على المعرفة القلبية المباشرة التي لن تكون في النهاية إلا أراء أولية معرضة للخطأ)

 يبين النص أن الرأي والعلم متعارضين دوما ، وإن وافق العلم الرأي  في بعض الأحيان، فسيكون لسبب وطريقة مغايرة لباديء الرأي.

وما يجعل باديء الرأي مخطئا  دوما هو كونه لا يقوم على برهنة عقلانية، لأنه خاضع للحاجيات اليومية والرغبات والمعتقدات والانطباعات الخاصة بالإنسان العادي، وبتعبير باشلار فهو يترجم الحاجات إلى  معارف من هنا يعتبر باشلار أن بادئ الرأي هو عائق إبستمولوجي أمام المعارف والحقائق العلمية ، وينبغي بالضرورة تجاوزه.  فالعلم ، لا يمكن ان يعالج القضايا التي لا يفهمها ،بل المعالجة العلمية تفترض طرح أسئلة ومشاكل بشكل واضح ودقيق وفق عقلانية تطبيقية و منهج يجمع بين العقل والتجربة ، تمكن من تقديم أجوبة دقيقة  وهذا معناه أن المعرفة العلمية إذن ليست معرفة معطاة وجاهزة ، بل الحقيقة العلمية  بناء ، ف"لا شيء يحدث تلقائيا، لاشيء يعطى، كل شيء يبنى."

هكذا ينفي النص المعارف الجاهزة والمعطاة كما ينفي باديء الرأي ، فالمعرفة العلمية تبدأ عندما يتم طرح الأسئلة الحقيقية والصحيحة.

( لابد من  صياغة نتيجة تركيبية  للمناقشة)

                                      المحور الثاني معايير الحقيقة:       

                     * إشكال المحور: ما هو معيار الحقيقة؟ وعلى ماذا يمكن تأسيسها؟   

            1-   ديكارت الحقيقة عقليةوتقوم على الحدس والإستنباط  :

الأطروحة: يرى ديكارت أن الحقيقة هي أساسا حقيقة عقلية مادامت المعرفة الحسية معرفة مشكوكة فيها ، وان الحقيقة يتم التوصل اليها  ،دون أن نخشى الوقوع في الخطأ، بواسطة عمليتين عقليتين  هما الحدس والإستنباط . 

تتعارض الحقيقة عند ديكارت مع الرأي، إذ أنها تعتمد على المنهج وعلى قواعد عقلية صارمة( يمكن اختصارها في أربع قواعد رئيسية: البداهة، التحليل، النظام والمراجعة.) وتتأسس الأفكار البديهية على مبدأ الحدس، في حين تتأسس الأفكار الأخرى على مبدأ الاستنباط. هكذا يحدد ديكارت للحقيقة معيارين رئيسيين هما: الحدس والاستنباط. والحدس عنده هو إدراك عقلي خالص ومباشر، ينصب على أفكار بديهية ومتميزة في الذهن بحيث لا تحتاج إلى استدلالات عقلية ولا تقبل الشك؛ كأن أدرك أنني موجود أو أن المثلث هو شكل ذو ثلاثة أضلاع. أما الاستنباط فهو إدراك غير مباشر للحقيقة، بموجبه يتم استخلاص حقائق جديدة من الحقائق البديهية الأولية على نحو منطقي صارم بواسطة عملية الاستنباط . ولذلك فالحقائق التي يتوصل إليها عن طريق الاستنباط لا تقل أهمية ويقينية عن الحقائق الحدسية الأولية، ما دامت صادرة عنها بواسطة حركة فكرية مترابطة ومتصلة تفضي إلى نتائج ضرورية.

 هكذا فالحدس والاستنباط هما أساس المنهج المؤدي إلى الحقيقة. وبذلك فمعيار الحقيقة يتحدد أولا في البداهة المرتبطة بالحدس؛ إذ أن كل فكرة بديهية هي فكرة حقيقية تدرك بواسطة الحدس العقلي الخالص، كما يتحدد هذا المعيار ثانيا بواسطة التماسك المنطقي المرتبط بالاستنباط؛ إذ أن كل فكرة منسجمة منطقيا ومتطابقة مع قواعد الاستنباط العقلي تعتبر فكرة صحيحة ومنطقية.

2-اسبينوزا الحقيقة معيار ذاتها

الأطروحة  :   الحقيقية تحمل معيارها في ذاتها ، لأننا عندما نملك فكرة صحيحة نكون متأكدين منها ولا نشك في صحتتها ، وبالتالي فالحقيقة معيار ذاتها ومعيار الخطأ .

 يرى اسبينوزا  ان معيار الحقيقة  يكمن في البداهة التي تتمثل في كون الفكرة الصحيحة تحمل يقينها في ذاتها، إذ أنها تفرض نفسها على العقل بشكل واضح ومتميز لا يتطرق إليه أدنى قدر من الشك. هكذا فالحقيقة هي معيار ذاتها، وهي تشبه النور الذي ينكشف فيؤدي إلى انقشاع الظلام.  فالفكرة الصادقة او الصحيحة تمتلك  اقصى قدر ممكن من اليقين وبالتالي فإننا لا يمكن  ان نعلم أننا فهمنا شيئا معينا الا إذا سبق لنا وفهمنا هذا الشيء أي إلا إذا كنا نملك عنه فكرة يقينية ، وبالتالي فلو لم نكن نملك يقينا عن  الشيء لما اعتقدنا انه يقيني  أي ان امتلاكنا للحقيقة يعني أننا نملك فكرة مطابقة لموضوعها . من هنا يرى اسبينوزا أن الفكرة التامة هي تلك التي تملك في ذاتها كل الخصائص والعلامات الباطنية المميزة للفكرة الصحيحة. وهذا ما يجعل الحقيقة معيار ذاتها .

 

                 المحور 3 :الحقيقة بوصفها قيمة

الإشكال:

ما قيمة الحقيقة وما الذي يمنحها قوتها  ؟ وما علاقتها بالخطأ وبالعنف؟

1-      تصور مارتن هايدغر:

ينتقد  هايدغر مفهوم الحقيقة كواقع لأن هذا يؤدي الى نفي واقعية الشيء الذي لا يصدق عليه المنطوق رغم واقعيته. كما ينتقد المفهوم الكلاسيكي  للحقيقة كمطابقة المنطوق للموضوع الذي يشير إليه لأنه يؤدي إلى استحالة تطابق المنطوق ( المجرد واللامادي ) مع الشيء (المحسوس والمادي).

لذلك يرى هايدغر ضرورة تجاوز المفهو م الكلاسيكي للتطابق والتوافق الذي يعني حدوث تماه فعلي بين شيئين مختلفين ) فالعلاقة بين الشيء والمنطوق تعني استحضار الشيء  إلى الذهن أي ان المنطوق يقول شيئا عن المستحضر ويعبر عنه كما هو ،فهو حقيقي.بحيث ان المنطوق  كلما استجاب للتعبير عن الموجود كما هو نقول انه مطابق له اي حقيقي.

فالحقيقة هي انكشاف ولا تحجب وحرية أي ترك الموجود يكون ما يكونه وتركه يكشف عن نفسه دون إكراه او إلزام حتى يتمكن المنطوق  الإستحضاري ان يقيس نفسه عليه.فالحقيقة محجبة وتتطلب إماطة اللثام عنها، فالحقيقة إذن هي انكشاف كينونة الكائن

إلا أن محاولة إماطة اللثام عن الحقيقة والبحث عنها معرضة دوما  للتيه  فالتيه هو مضاد لماهية الحقيقة ، والتيه هو أساس الخطأ والغلط،. فاللاحقيقة تقيم داخل الحقيقة ،ولا يمكن تحديد ماهية الحقيقة( الانكشاف) إلا إذا أخدنا بعين الاعتبار اللا حقيقة والتيه ( الانغلاق) فإنصراف الإنسان إلى ما هو شائع ورائج وما هو سطحي يجعله يبتعد عن السر و عن انكشاف الحقيقة ويتيه عنها.

2-   الحقيقة والعنف ايريك فايل:

يقدم ايريك فايل تصورا مخالفا فالوجه الآخر المقابل للحقيقة ليس هو الخطأ والوهم بل هو العنف.فضد الحقيقية يكمن في رفض الخطاب المتماسك والمنطقي ، والإنتقال الى الفعل السالب واللغة المفككة، فالحقيقة بالمعنى الفلسفي لا تعني مطابقة الفكر للواقع ، ولكن مطابقة الإنسان مع الفكر،أي مع الخطاب المتماسك والعقلي، إن العالم الذي نعيش فيه هو عالم  مليء بالعنف والشقاء والجوع والتنكيل والموت العنيف، هذا العالم  يجب أن يكون موضوع تفكير عقلاني ، وبالتالي  ان نحاول فهمه تبعا للمعنى الحقيقي الذي يملكه لأن الوجود ينكشف فقط في الخطاب، وبواسطة الخطاب  والمعنى المعقول . لذا فقيمة الحقيقة تكمن في إنشاء خطاب عقلاني متماسك، يلغي العنف لصالح المعنى.، وبهذا وحده يمكن وضع حدا للعنف والخطاب الغير المتماسك.

3-     تصور كانط

   اعتبر كانط أن لحقيقة قيمة أخلاقية عليا ومطلقة وغير مشروطة ومرتبطة بالواجب المطلق. وهي بذلك تنشد لذاتها كحقيقة موضوعية نزيهة وبعيدة عن المنفعة والمصلحة الخاصة. فالصدق واجب في ذاته، ويجب على الإنسان أن يقول الحقيقة ويسلكها مهما كانت الظروف والشروط ( ولا يجوز الكذب حتى لو كان الأمر يتعلق بإنقاد حياة بريء من يد مجرمي) لأن الكذب مضر بالغير دائما، حتى إن لم يضر إنسانا بعينه فهو يضر الإنسانية قاطبة، مادام انه يجرد منبع الحق من الصفة الشرعية  لأن الكذب ولو لمرة واحدة  سيؤدي الى اهتزاز جميع الحقوق المؤسسة على العقود والتصريحات والأقوال.                              

4-     تصور وليام جيمس: W.James     

تكمن قيمة الحقيقة حسب الموقف البرجماتي المعاصر الذي يمثله وليام جيمس في كل ما هو نفعي، عملي ومفيد في تغيير الواقع والفكر معا. فامتلاكنا للحقيقة يعن امتلاك اذوات ثمينة  للعمل ومطابقة ، الحقيقة للواقع يعني ان تلك   الحقيقة تفيدنا وتساعدنا عمليا وفكريا في معالجة ذلك الواقع بحيث يلائمنا ويناسب حياتنا . من هنا فالحقيقة ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة لإشباع حاجات حيوية أخرى. والأفكار الحقيقية هي تلك التي نستطيع أن نستعملها وأن نتحقق منها واقعيا، أما الأفكار التي لا نستطيع أن نستعملها وأن نتأكد من صلاحيتها فهي خاطئة. وعموما، يرى وليام جيمس، أن الأفكار الصادقة هي تلك التي تزيد من سلطاننا على الأشياء؛ فنحن نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود كما نخترع الأجهزة الصناعية للاستفادة من قوى الطبيعة.



شـارك
Cat : الفلسفة - date : 30/3/2013 - Auteur : طارق Visiteur : 1197
Les commentaires appartiennent à leurs auteurs. Nous ne sommes pas responsables de leur contenu.


Ajouter commentaire :

: